لم تعد الحملات الانتخابية في البيئة الرقمية تكتفي بصورة المرشح وشعار الحزب وبعض العبارات المباشرة. ومع اتساع حضور الفيديو ومنصات التواصل الاجتماعي، بدأت بعض الحملات تتجه نحو بناء محتوى بصري يحاول سرد قصة، واستثمار تفاصيل المدينة والحياة اليومية لإيصال رسالتها إلى الجمهور.
الفيديو الذي يحمل عبارة «قادين عليها» يقدم نموذجاً لهذا الأسلوب في التواصل الانتخابي، إذ ينتقل من منطق الملصق السياسي التقليدي إلى بناء حكاية بصرية تتداخل فيها المدينة، والعمل، واللقاءات، والتنقل، والمشاهد اليومية، مع حضور متكرر للهوية البصرية البرتقالية وشعار حزب الاتحاد الدستوري.
المدينة تتحول إلى جزء من الحكاية
في هذا النوع من الإنتاج، لا تظهر المدينة باعتبارها خلفية تصوير فقط، وإنما تتحول إلى عنصر داخل السرد نفسه.
الشوارع والأحياء والبحر وفضاءات العمل واللقاءات تتعاقب داخل الفيديو بطريقة تجعل المجال المحلي حاضراً باستمرار. وبدلاً من بقاء الكاميرا داخل قاعة أو أمام منصة انتخابية، تتحرك بين فضاءات متعددة، بما يمنح المادة إيقاعاً أقرب إلى الريبورتاج الرقمي أو القصة المصورة القصيرة.
ويعزز الانتقال بين اللقطات الميدانية والمقاطع الحوارية هذا الأسلوب، حيث يصبح المشاهد أمام سلسلة من التفاصيل والمواقف بدل رسالة انتخابية واحدة تُقدم بشكل مباشر.
البرتقالي كخيط بصري بين المشاهد
يلعب اللون البرتقالي دوراً مركزياً في البناء البصري للفيديو.
فحضوره لا يقتصر على الشعار الحزبي، بل يتكرر عبر الملابس والسيارة وبعض التفاصيل المصاحبة للمشاهد، ما يخلق رابطاً بصرياً بين مواقع ولقطات مختلفة.
وبهذه الطريقة، تستطيع الهوية الحزبية الاستمرار داخل الصورة حتى في اللحظات التي لا يظهر فيها الشعار بشكل مباشر، وهو أسلوب معروف في بناء الهوية البصرية للمحتوى الرقمي، حيث يصبح اللون نفسه جزءاً من عملية التعرف على المادة.
«قادين عليها».. شعار قصير بلغة التداول اليومي
اختيار عبارة «قادين عليها» يمثل بدوره جزءاً أساسياً من البناء الاتصالي للفيديو.
فالعبارة قصيرة، دارجة، سهلة النطق والتذكر، ويمكن استخدامها عنواناً للفيديو أو تكرارها داخل المنشورات والمواد المصاحبة للحملة.
وهذا النوع من العبارات ينسجم مع طبيعة منصات التواصل الاجتماعي التي تعتمد على الرسائل المختصرة والقابلة للتداول، بدلاً من الشعارات الطويلة التي تحتاج إلى شرح أو سياق إضافي.
وهنا تتحول العبارة من مجرد جملة داخل الفيديو إلى عنصر يمكن أن يشكل خيطاً مشتركاً بين مختلف المواد الرقمية للحملة.
إخراج الفاعل السياسي من الصورة التقليدية
من أبرز التحولات التي يقدمها الفيديو كذلك الابتعاد عن الصورة المعتادة للفاعل السياسي الذي يخاطب الجمهور من فوق منصة أو أمام تجمع انتخابي.
الكاميرا تلاحقه داخل السيارة، وفي المكتب، وفي الشارع، وداخل فضاءات مرتبطة بالحياة المحلية، إلى جانب أشخاص آخرين.
هذه الطريقة في التصوير تنقل التواصل السياسي إلى فضاءات أقرب إلى الحياة اليومية، وتجعل الكاميرا جزءاً من الحركة بدلاً من الاكتفاء بتوثيق خطاب أو تجمع.
وهو توجه أصبح حاضراً بقوة في صناعة المحتوى السياسي الرقمي، حيث يتم تقديم الشخصيات السياسية داخل مشاهد الحياة والعمل والتنقل، وليس فقط خلال الاجتماعات والخطابات الرسمية.
الصورة لم تعد مجرد مرافقة للخطاب
من الناحية الإنتاجية، يعتمد الفيديو على تنوع المواقع واللقطات المتحركة والمشاهد الواسعة للمدينة والمقاطع الحوارية، ما يمنحه إيقاعاً مصمماً بالأساس للاستهلاك عبر الشاشات ومنصات التواصل.
وهنا تتغير وظيفة الصورة.
فهي لا تكتفي بتوضيح ما يقوله الخطاب، بل تصبح حاملة لجزء من الرسالة نفسها: المدينة، الحركة، الأشخاص، الألوان وطريقة الانتقال بين المشاهد تشارك جميعها في بناء المعنى.
وبذلك لا يبقى التعليق السياسي العنصر الوحيد الذي يقود المادة، بل يصبح المونتاج والإخراج والتصوير والهوية البصرية أجزاء متكاملة من عملية التواصل.
من «إعلان المرشح» إلى «صناعة المحتوى السياسي»
«قادين عليها» يعكس، من زاوية الاتصال السياسي، تحولاً أوسع تعرفه الحملات مع صعود الفيديو القصير ومنصات التواصل الاجتماعي.
فالانتقال لم يعد فقط من المنشور الورقي إلى المنشور الرقمي، وإنما من فكرة «الإعلان عن المرشح» إلى محاولة «صناعة محتوى سياسي» يمتلك قصة وهوية وإيقاعاً ولغة بصرية خاصة به.
القصة، والمدينة، واللون، واللغة الدارجة المختصرة، والمشاهد اليومية، كلها تتحول هنا إلى أدوات اتصال إلى جانب الخطاب السياسي نفسه.
وبصرف النظر عن الموقف من الرسالة السياسية التي يحملها الفيديو، فإن التجربة تقدم مثالاً على كيفية توظيف أدوات صناعة المحتوى الرقمي داخل التواصل الانتخابي، في وقت أصبحت فيه معركة الوصول إلى الجمهور تدور أيضاً داخل شاشة الهاتف، وبإيقاع يختلف كثيراً عن زمن الملصق والمنشور والخطاب التقليدي.


