أثار منشور نشره زهير لوكيلي، وصيف لائحة عمر العباس عن حزب الديمقراطيين الجدد بدائرة طنجة أصيلة، نقاشاً سياسياً حول طبيعة الخطاب الانتخابي وحدود احترام اختيارات الناخبين، بعدما استحضر في تدوينته تشبيهاً بين التصويت و«العبودية».
وكتب لوكيلي، في معرض حديثه عن الديمقراطية اليونانية القديمة، أن «العبد سيصوت لسيده مهما كان فاسداً»، قبل أن يختم عبارته بالقول إن «اليوم تغيرت السلاسل فقط»، وهي صياغة فتحت الباب أمام أكثر من قراءة، بالنظر إلى صدورها عن مرشح يخوض منافسة انتخابية ويطلب بدوره ثقة المواطنين.
من هم «السادة» ومن هم «العبيد»؟
السؤال الذي يطرحه المنشور بنفسه هو: من يقصد زهير لوكيلي بـ«السادة»؟ ومن هم «العبيد» في هذا التشبيه؟ وما طبيعة «السلاسل» التي يرى أنها لم تختف، وإنما تغير شكلها فقط؟
المنشور لم يسم حزباً أو مرشحاً بعينه، كما لم يحدد الفئة المقصودة، غير أن نشره في سياق الحملة الانتخابية يجعل قراءته السياسية أمراً يصعب فصله عن المنافسة الجارية في طنجة أصيلة.
وإذا كان التشبيه موجهاً إلى واقع انتخابي معاصر، فإن السؤال يصبح أكثر مباشرة: هل يعني ذلك أن الناخب الذي يختار منافساً سياسياً يفعل ذلك لأنه خاضع أو تابع؟ وهل يمكن اختزال الاختلاف في الاختيار الانتخابي في صورة «عبد» يصوت لـ«سيده»؟
من يطلب ثقة الناخب عليه أن يحترم اختياره
الديمقراطية لا تعني احترام صوت المواطن فقط عندما يذهب إلى المرشح الذي نؤيده، بل تعني أيضاً احترام حقه في منح صوته لمنافس آخر.
فالناخب الذي يختار حزباً مختلفاً أو مرشحاً آخر لا يتحول بسبب ذلك إلى شخص فاقد للإرادة، كما أن رفضه لائحة بعينها لا يمنح أي طرف الحق في تقديم اختياره باعتباره نتيجة «سلاسل» تتحكم فيه.
وإذا كان لدى أي مرشح معطيات عن شراء أصوات أو ضغوط أو استغلال للنفوذ، فهذه اتهامات جدية لها مؤسسات ومساطر قانونية يفترض اللجوء إليها، بدل تعميم تشبيهات قد تُفهم على أنها مساس باستقلالية الناخبين.
الاستشهاد باليونان لا يحسم المعنى
المنشور حاول تأطير فكرته من خلال العودة إلى الديمقراطية في اليونان القديمة، غير أن هذا الاستشهاد لا يزيل الغموض، بل يزيد الحاجة إلى التدقيق.
فالمشاركة السياسية في أثينا القديمة كانت محصورة في فئة محدودة من المواطنين، في حين كانت فئات أخرى، من بينها النساء والعبيد والأجانب، خارج دائرة الحقوق السياسية وفق البنية القانونية والاجتماعية لذلك العصر.
وبالتالي، فإن تقديم المسألة على أساس أن العبيد حُرموا من التصويت لأنهم سيصوتون لأسيادهم مهما كان فسادهم، يبدو أقرب إلى توظيف سياسي معاصر للتاريخ منه إلى تفسير تاريخي مكتمل.
وهنا تتحول أهمية المنشور من محتواه التاريخي إلى الرسالة السياسية التي قد يفهمها القارئ منه اليوم.
مفارقة داخل لائحة عمر العباس
المنشور يكتسب بعداً إضافياً بالنظر إلى موقع زهير لوكيلي داخل لائحة يقودها عمر العباس، في وقت سبق فيه لوكيل اللائحة أن دعا إلى حملة انتخابية نظيفة وإلى احترام قواعد المنافسة.
وهذا يطرح سؤالاً حول مدى انسجام الخطاب داخل اللائحة نفسها: هل يتعلق الأمر بموقف شخصي لا علاقة له بالحملة؟ أم أن المنشور يكشف طريقة معينة في قراءة سلوك الناخبين واختياراتهم؟
ويبقى من حق صاحب المنشور أن يوضح مقصده وأن يحدد ما إذا كان كلامه موجهاً إلى ظواهر انتخابية معينة أم أنه مجرد اقتباس عام، لكن صفة المرشح تجعل ما ينشره خلال الحملة قابلاً للنقاش السياسي والنقد العام.
هل بدأت تبريرات الخسارة قبل فتح الصناديق؟
الجانب الأكثر حساسية في المنشور يرتبط بتوقيته.
فالمرشح يدخل الانتخابات من أجل إقناع المواطنين ببرنامجه وبقدرته على تمثيلهم، وليس من أجل تقديم تفسير مسبق لأسباب اختيارهم منافسيه.
وعندما يظهر، قبل إعلان النتائج، خطاب يتحدث عن «عبد يصوت لسيده» و«سلاسل تغيرت»، قد يفهم البعض ذلك باعتباره تمهيداً لرواية تقول إن عدم التصويت للائحة معينة لا يعود إلى تقييم الناخب للبرنامج أو المرشحين، بل إلى خضوعه وتأثره بجهات أخرى.
ولا يمكن الجزم بأن هذا هو قصد زهير لوكيلي، لكن السؤال يبقى مشروعاً: هل بدأ وصيف لائحة عمر العباس في البحث عن تفسير للخسارة قبل أن تقع؟
فالاختبار الحقيقي لأي خطاب ديمقراطي لا يظهر فقط عندما يختار المواطن المرشح الذي نريده، وإنما عندما يمنح ثقته لغيره أيضاً.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي وضعه المنشور في صلب النقاش: هل أصبح التصويت للمنافس، في نظر بعض المرشحين، شكلاً من أشكال «العبودية»؟


