سلط تقرير الاستثمار العالمي 2026 الصادر عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية “الأونكتاد” الضوء على ميناء طنجة المتوسط باعتباره أحد أبرز النماذج الدولية التي نجحت في توظيف البنية التحتية اللوجستية لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، مؤكدا أن التجربة المغربية تعكس التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي في ظل إعادة تشكيل سلاسل التوريد والإمداد.
وأوضح التقرير، الذي تناول التحولات المرتبطة بإعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، أن الشركات متعددة الجنسيات أصبحت تعيد النظر في مواقع الإنتاج والاستثمار نتيجة التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل، فضلا عن سعيها إلى تعزيز مرونة سلاسل التوريد، مشيرا إلى أن المغرب استطاع مواكبة هذه المتغيرات من خلال تطوير منظومة صناعية ولوجستية متكاملة حول ميناء طنجة المتوسط.
وأكد التقرير أن نجاح طنجة المتوسط لا يرتبط فقط بمكانته كأحد أكبر موانئ الحاويات في البحر الأبيض المتوسط وإفريقيا، وإنما يعود أيضا إلى النموذج الذي يجمع بين الميناء والمناطق الصناعية والمناطق الحرة والخدمات اللوجستية، بما يوفر للمستثمرين بيئة أعمال متكاملة تسهم في تقليص تكاليف الإنتاج والتصدير وتحسين تنافسية المشاريع الاستثمارية.
وأشار التقرير إلى أن المنطقة الصناعية الخاصة بصناعة السيارات تقع على مسافة تقدر بنحو 35 دقيقة من الميناء، وهو ما يتيح نقل المركبات والمنتجات الصناعية بسرعة نحو أرصفة التصدير، ويساهم في تقليص تكاليف التخزين والحد من المخاطر المرتبطة بسلاسل الإمداد.
كما أبرز التقرير أهمية منظومة النقل السككي داخل المركب الصناعي واللوجستي، موضحا أن ميناء طنجة المتوسط يستقبل يوميا ستة قطارات قادمة من مصنع رونو طنجة، إضافة إلى قطارين من مصنع ستيلانتيس، مع قدرة كل قطار على نقل ما يصل إلى 280 سيارة، وهو ما يساهم، بحسب التقرير، في تقليص الاعتماد على النقل الطرقي وخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة العمليات اللوجستية.
وفي جانب الخدمات، أكد التقرير أن طنجة المتوسط يوفر منظومة متكاملة للمستثمرين تشمل عقارات صناعية جاهزة، ومستودعات يمكن إنجازها في نحو ستة أشهر، إلى جانب اعتماد شباك موحد لتبسيط مختلف الإجراءات الإدارية والجمركية والتقنية، بما يختصر آجال إنجاز المشاريع ويعزز جاذبية المنطقة للاستثمارات الصناعية.
وسلط التقرير الضوء كذلك على التعاون القائم بين ميناء طنجة المتوسط وميناء الجزيرة الخضراء الإسباني، مشيرا إلى اعتماد آليات للتنسيق اللوجستي وتبادل البيانات الرقمية المتعلقة بتتبع البضائع، بما يعزز انسيابية حركة التجارة عبر مضيق جبل طارق، ويكرس دور الميناءين كمنصة لوجستية تربط بين أوروبا وإفريقيا.
واعتبر تقرير الأونكتاد أن تجربة طنجة المتوسط تمثل نموذجا يعكس متطلبات المرحلة الجديدة للاستثمار العالمي، حيث لم يعد نجاح الموانئ يقاس فقط بطاقتها الاستيعابية، بل بقدرتها على الاندماج مع الصناعة والخدمات اللوجستية والرقمنة وشبكات النقل، مؤكدا أن هذا النموذج ساهم في تعزيز موقع المغرب ضمن سلاسل القيمة العالمية، خاصة في قطاع صناعة السيارات والصناعات التصديرية، وتحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة اقتصادية واستثمارية.


