يبدو أن بعض الوجوه السياسية بطنجة لا تحتاج إلى حملة انتخابية بقدر ما تحتاج إلى تذكير الناخبين بأنها ما زالت في السباق، فمحمد الزموري، الذي دخل مجلس النواب سنة 1997 ولم يفارق منذ ذلك الحين، يعود مجدداً إلى الانتخابات التشريعية لسنة 2026، وهذه المرة بقميص الحركة الشعبية بعدما ارتبط اسمه طويلاً بالاتحاد الدستوري، يتغير الحزب، وتتغير الأجيال، لكن اسم الزموري يظل حاضراً على لائحة المترشحين.
والمفارقة أن سنة 1997، التي شهدت بداية مساره البرلماني، تُعد أيضاً بداية جيل زد في أحد أشهر التصنيفات الديمغرافية، يومها كان أوائل أبناء هذا الجيل يولدون، بينما كان الزموري يحجز مقعده في البرلمان. واليوم، بعد 29 سنة، صار هؤلاء الشباب في سن التصويت والمساءلة، فيما يستعد هو لخوض محطة انتخابية جديدة. كأن السياسة تقول لهم: كبرتم، لكن بعض المقاعد لم تكبر معها فكرة التداول.
جيل z والمرشح زموري كلاهما يبدأ بحرف z فمن يزيح الاخر
من 1997 إلى 2026.. المقعد يتذكر صاحبه
بدأ الزموري مساره الانتخابي المحلي سنة 1983، ثم دخل البرلمان سنة 1997. وخلال السنوات اللاحقة، عرف الفوز باستمرار وكأن كرسي البرلمان لل يستطيع أن يفارقه؛ فقد مقعده سنة 2011، قبل أن يستعيده في انتخابات جزئية سنة 2012، ثم يفوز مجدداً في 2016 و2021، لذلك فالأمر لا يتعلق بحضور برلماني متواصل دون انقطاع، بل بمسار انتخابي امتد قرابة ثلاثة عقود، ظل خلاله الرجل قادراً على العودة إلى المؤسسة التشريعية.
غير أن طول التجربة يطرح سؤالاً لا تجيب عنه صور الحملات ولا أسماء الأحزاب: ماذا بقي من هذه السنوات في حياة المواطنين؟ فالناخب لا ينتخب متحفاً سياسياً، ولا يمنح المقعد مكافأة على الأقدمية. وإذا كانت الخبرة ميزة، فإن قيمتها تُقاس بما أنتجته من تشريع ورقابة ودفاع عن مصالح الدائرة، لا بعدد المرات التي يظهر فيها الاسم على ورقة التصويت.
وتزداد حدة هذا السؤال أمام معطيات 2021، استناداً إلى أرشيف مجلس النواب، أحصى للزموري خلال ولاية 2016–2021 سؤالين كتابيين، دون سؤال شفوي أو مساهمة في مقترح قانون خلال تلك الفترة. وهي معطيات تتشابه مع مساراته السابقة، لكنها تمنح الناخب سبباً مشروعاً للمطالبة بحصيلة مفصلة بدل الاكتفاء بعبارة «الخبرة البرلمانية».
جيل زد خرج إلى الشارع.. والزموري عاد إلى اللائحة
في شتنبر وأكتوبر 2025، خرج شباب حركة «جيل زد 212» إلى الشارع في عدد من المدن المغربية، من بينها طنجة، مطالبين بتحسين الصحة والتعليم وفرص الشغل ومحاربة الفساد، لم تكن تلك الاحتجاجات موجهة إلى الزموري شخصياً، لكنها حملت رسالة سياسية يصعب على الوجوه القديمة تجاهلها: الشباب لا يريدون أن تظل مطالبهم تتنقل من ولاية إلى أخرى كما تتنقل الوجوه نفسها بين الانتخابات.
وهنا تصبح المفارقة أكثر سخرية، جيل يطالب بتغيير طريقة تدبير الشأن العام، وبرلماني بدأ مساره قبل أن يولد كثير من أفراده، ثم يعود ليطلب ثقتهم مرة أخرى، لا شيء يمنع الزموري من الترشح، ولا يحق لأحد أن يصادر حق الناخبين في اختياره، لكن من حق هؤلاء أيضاً أن يسألوه: لماذا تستحق ولاية جديدة؟ وما الذي ستفعله في السنوات المقبلة ولم تستطع تحقيقه خلال السنوات الماضية؟
أما الانتقال من الاتحاد الدستوري إلى الحركة الشعبية، فيضيف سؤالاً آخر إلى المشهد: هل تغير المشروع السياسي ان وجد أصلا، أم تغير فقط العنوان الذي سيخوض به المرشح السباق؟ فالناخب الذي ينتظر برنامجاً جديداً لا يكفيه أن يرى وجهاً مألوفاً تحت رمز حزبي مختلف.
هل يأتي العقاب من صناديق الاقتراع؟
اليوم اصبح الشباب يشكلون كتلة انتخابية كما أن نتائج 2021، حين تصدر لائحته دائرة طنجة أصيلة بأكثر من 22 ألف صوت، تذكر بأن للرجل قاعدة انتخابية لا يجوز تجاهلها. لكن احتجاجات 2025 تجعل سؤال التصويت العقابي مطروحاً بقوة: هل يتحول غضب الشباب من الأوضاع الاجتماعية إلى رفض انتخابي للوجوه التي عاصرت تلك الأوضاع طويلاً؟
الجواب لن تقدمه الشعارات، بل صناديق الاقتراع يوم 23 شتنبر 2026، فقد ينجح الزموري في إقناع الناخبين بمنحه فرصة أخرى، وقد يقررون أن ثلاثة عقود من الحضور السياسي تكفي لفتح الباب أمام أسماء جديدة.
وبين الاحتمالين، تبقى الصورة الأكثر تعبيراً عن المفارقة: جيل وُلد سنة 1997 أصبح يطالب بالتغيير، وبرلماني دخل المؤسسة في السنة نفسها يعود ليسأل هذا الجيل عن صوته. فهل يكتب جيل زد نهاية صفحة الزموري البرلمانية، أم يكتشف أن شيخ البرلمانيين ما زال يعرف الطريق إلى المقعد أكثر مما يعرف الشباب الطريق إلى التغيير؟



تعليقات
0