في ختام الدورة العادية لشهر مارس 2025 لمجلس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، برئاسة عمر مورو، قدمت رئاسة المجلس حصيلة نصف الولاية بلغة متفائلة، متحدثة عن نسبة إنجاز بلغت 70 في المائة، ومشاريع وُصفت بأنها تعكس دينامية تنموية غير مسبوقة. غير أن قراءة متأنية للمعطيات المعلنة، ومقارنتها بالوثائق المالية الرسمية، تكشف عن وجود تباين بين ما يمكن تسميته بـ“الإنجاز المسطري” وبين “الأثر الميداني” الفعلي.
تشير الأرقام إلى اعتماد 233 مشروعاً بميزانية إجمالية تناهز 17.4 مليار درهم، مع صرف فعلي يقدر بحوالي 2.65 مليار درهم. هذه المعطيات تبرز مجهوداً مهماً في تعبئة التمويلات والالتزامات، غير أن النقاش يظل قائماً حول وتيرة التنفيذ الفعلي، ومدى تحول هذه الاعتمادات إلى مشاريع مكتملة دخلت حيز الخدمة.
وفي مقابل الحديث عن تعبئة استثمارات كبرى، تظهر التقارير المالية ارتفاع مديونية الجهة تجاه صندوق التجهيز الجماعي إلى مستويات مهمة خلال سنة 2024، وهو ما يطرح سؤالاً مشروعاً حول التوازن بين اللجوء إلى الاقتراض وتدبير الموارد الذاتية. فالاستدانة تظل آلية تمويلية معترفاً بها في التدبير الترابي، غير أن فعاليتها تقاس بمدى انعكاسها السريع والمباشر على التنمية الملموسة.
ومن بين النقاط التي تثير اهتمام المتتبعين، تسجيل فائض مرحل يفوق 1.7 مليار درهم، في الوقت الذي تستمر فيه الجهة في تعبئة قروض جديدة. هذا المعطى يفتح نقاشاً تقنياً حول تدبير السيولة، وأولويات صرف الاعتمادات، ومدى تسريع تفعيل المشاريع المبرمجة. فوجود فائض لا يعني بالضرورة خللاً، لكنه يطرح تساؤلات حول وتيرة الإنجاز والقدرة على تحويل البرمجة إلى واقع ملموس.
كما أن المصادقة على مئات الاتفاقيات لا تعني بالضرورة انتهاء المشاريع المرتبطة بها، إذ تبقى فعالية التنفيذ المالي والزمني المحدد الأبرز لقياس النجاعة. فبطء الإنجاز في بعض الملفات قد يؤدي إلى مراجعات أو إعادة برمجة، وهو ما يستدعي تعزيز آليات التتبع والتقييم لتفادي أي تعثرات.
وفي محور العدالة المجالية والاجتماعية، يبرز دعم الجمعيات الرياضية والثقافية بمبالغ مهمة، وهو توجه يندرج ضمن اختصاصات الجهة في دعم الدينامية المحلية. غير أن هذا الباب بدوره يظل خاضعاً لنقاش عمومي مشروع حول معايير الانتقاء والتوزيع، بما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المجالات الترابية.
أما بخصوص برنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، فقد عرفت بعض مكوناته تقدماً ملحوظاً على مستوى إنجاز المسالك والبنيات الأساسية، غير أن تقييم جودة هذه المشاريع واستدامتها يظل رهيناً بتقارير تقنية وملاحظات ميدانية متواصلة، بعيداً عن الاكتفاء بلغة النسب الإجمالية.
ختاماً، فإن المصادقة على عقد البرنامج الجديد للفترة 2024–2027 بكلفة تناهز 5.8 مليارات درهم يعكس طموحاً واضحاً لمواصلة الاستثمار في المشاريع المهيكلة. غير أن المرحلة المقبلة تضع المجلس أمام تحدي تعزيز الانسجام بين البرمجة المالية والتنفيذ الميداني، وضبط التوازن بين الاستدانة وتفعيل الفوائض، حتى تظل الأرقام المعلنة معززة بأثر ملموس يلمسه المواطن في حياته اليومية.
ويبقى الرهان الحقيقي في النصف الثاني من الولاية هو الانتقال من منطق تجميع الالتزامات والاتفاقيات إلى منطق تسريع الإنجاز المكتمل، بما يرسخ الثقة في السياسات الجهوية ويضمن استدامة التوازنات المالية على المدى المتوسط والبعيد.


