بينما يستعد عمر مورو، رئيس مجلس جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، لعرض حصيلة ولايته خلال دورة مارس 2026، تتداول المنصات التواصلية للمجلس أرقاماً تتحدث عن نسبة إنجاز تفوق 70 في المائة، غير أن قراءة متأنية للمعطيات المالية المنشورة تفتح باب نقاش مختلف حول طريقة احتساب هذه النسبة، وتكشف عن فجوة واضحة بين لغة الخطاب السياسي ولغة الجداول المحاسباتية.
وهنا نصل إلى لبّ الموضوع، الإشكال لا يتعلق فقط بالأرقام، بل بكيفية تفسيرها، فبينما يفهم المواطن كلمة “الإنجاز” على أنها تعني مشروعاً خرج إلى حيز الوجود، يبدو أن المجلس يعتمد معياراً مختلفاً يقوم على تسجيل تحويل الاعتمادات المالية إلى حسابات الشركاء أو المؤسسات المنفذة باعتباره إنجازاً كاملاً من زاوية الميزانية.
بمجرد تحويل الحصة المالية إلى الوكالة الجهوية لتنفيذ المشاريع أو إلى مجموعات الجماعات أو إلى مؤسسات شريكة، يتم إدراج ذلك ضمن نسبة الإنجاز، من الناحية المحاسباتية قد يكون الأمر سليماً، لكن من الناحية الميدانية يظل السؤال قائماً، هل كل اعتماد محوَّل يعني بالضرورة مشروعاً منجزاً على أرض الواقع.
هذا الأسلوب في القراءة المالية يجعل جزءاً مهماً من الاعتمادات المحوّلة يُحتسب ضمن الإنجازات، حتى وإن كانت بعض المشاريع لا تزال في طور الدراسات أو الصفقات أو لم تنطلق أشغالها بعد، وهو ما يدفع بعض المتابعين إلى الحديث عن “إنجاز إداري” أكثر منه “إنجاز ميداني”، مع فارق جوهري بين المفهومين.
المفارقة المالية تزداد وضوحاً عند النظر إلى الفائض المرحّل الذي سُجّل في نهاية سنة 2024، والذي يفوق 1.7 مليار درهم، بالتوازي مع استمرار اللجوء إلى الاقتراض من صندوق التجهيز الجماعي لتمويل عدد من البرامج، وهنا يطرح سؤال تدبيري مشروع، كيف يمكن التوفيق بين وجود فائض مالي مهم وبين الحاجة إلى رفع المديونية في الوقت نفسه،
من زاوية التحليل المالي، يُفترض أن توجَّه الفوائض نحو تسريع وتيرة الإنجاز الفعلي للمشاريع، خاصة تلك المرتبطة بالبنيات التحتية وتقليص الفوارق المجالية، أما إذا بقي جزء من هذه الاعتمادات غير مُفعّل ميدانياً، فإن الإشكال لا يكون في توفر الموارد، بل في سرعة وفعالية التنفيذ.
أما بخصوص الصفقات التي عرفت الإلغاء أو الفسخ، فهي بدورها تستدعي نقاشاً مؤسساتياً أوسع حول جودة الدراسات القبلية، ودقة البرمجة، وآليات التتبع والتقييم، فالفسخ في حد ذاته آلية قانونية متاحة للإدارة، لكن تكراره في ملفات مختلفة قد يطرح تساؤلات حول مرحلة الإعداد والتخطيط أكثر مما يطرحها حول مرحلة التنفيذ فقط.
وفي ما يتعلق ببرنامج تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، فإن استمرار تسجيل “باقي استخلاص” القروض المخصصة له يبرز حجم الالتزامات المالية القائمة، ويعيد النقاش إلى نقطة البداية، هل يتم قياس الحصيلة بعدد المشاريع التي رُصدت لها اعتمادات، أم بعدد المشاريع التي انتهت أشغالها وتم تسليمها فعلياً للمواطنين.
يدخل مجلس الجهة دورة مارس 2026 محمّلاً بأرقام مهمة على مستوى البرمجة والتحويلات والالتزامات، لكن الرأي العام الجهوي بات يميل إلى طرح سؤال أبسط وأوضح، كم عدد المشاريع التي اكتملت أشغالها فعلياً، وكم منها دخل حيز الخدمة.
التحدي الحقيقي اليوم ليس في عرض نسب مئوية مجمّعة، بل في تقديم معطيات دقيقة تميز بين ما هو مُبرمج، وما هو مُحوَّل، وما هو منجز فعلياً، فالفرق بين التحويل المالي والإنجاز الميداني ليس تفصيلاً تقنياً، بل هو جوهر تقييم السياسات العمومية.
وفي النهاية، تبقى دورة مارس مناسبة لتقديم قراءة شفافة وشاملة، تضع الأرقام في سياقها، وتفصل بين الالتزام المالي والتنفيذ الفعلي، حتى لا تختلط المفاهيم بين ما يُسطر في الدفاتر وما يلمسه المواطن في الميدان.


