فتحت خسارة الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية لمقعده البرلماني بدائرة طنجة أصيلة نقاشاً يتجاوز النتيجة إلى الاختيارات التنظيمية والبشرية التي دخل بها الحزب استحقاقات 23 شتنبر 2026، خصوصاً بعد وضع رشيد الورديغي، الملتحق بالحزب قبل أشهر قليلة من الانتخابات، في المرتبة الثانية خلف عبد القادر الطاهر «بنطاهر».
النتائج النهائية أوقفت لائحة الاتحاد الاشتراكي عند 3249 صوتاً، في المركز السابع، بعدما عادت المقاعد الخمسة إلى العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة والحركة الشعبية والاستقلال والتجمع الوطني للأحرار. وجاءت لائحة تحالف اليسار سادسة بـ3727 صوتاً، فيما حصل التجمع الوطني للأحرار، صاحب المقعد الخامس، على 7199 صوتاً.
لكن الرقم الإجمالي لا يقدم وحده الصورة الكاملة.
1350 صوتاً فقط داخل مقاطعات طنجة
بحسب التوزيع التفصيلي للنتائج، حصلت لائحة بنطاهر على 641 صوتاً بطنجة المدينة، و278 ببني مكادة، و226 بمغوغة، و205 بالسواني، أي ما مجموعه 1350 صوتاً فقط داخل مقاطعات طنجة الأربع.
في المقابل، حصدت اللائحة 1033 صوتاً بحجر النحل وحدها، وهي الجماعة التي ارتبط بها المسار السياسي والمحلي لبنطاهر، الذي سبق أن ترأس مجلسها. وكان الرهان على المحافظة على رصيده القروي حاضراً بقوة حتى قبل الاقتراع.
وهنا يطرح السؤال نفسه: إذا كان إدخال اسم جديد مثل رشيد الورديغي في المرتبة الثانية يستهدف، ضمن ما يستهدفه، توسيع حضور الحزب داخل المدينة والوصول إلى شبكات مهنية واقتصادية جديدة، فأين ظهرت هذه الإضافة في صناديق طنجة؟
فحتى بعض اللوائح التي جاءت خلف الاتحاد الاشتراكي في النتيجة الإجمالية حققت حضوراً أكبر منه داخل المقاطعات الحضرية، ما يجعل النقاش حول القيمة الانتخابية المضافة لتركيبة اللائحة مشروعاً، من دون اختزال الخسارة في مرشح واحد.
الورديغي.. من وافد جديد إلى الرجل الثاني
لم يكن الورديغي من الوجوه التي راكمت مساراً حزبياً طويلاً داخل الاتحاد الاشتراكي، التحق بالحزب قبل أشهر قليلة، قبل أن يصبح وصيفاً للائحة وأن يتحول إلى أحد أبرز وجوه التحرك الميداني إلى جانب بنطاهر.
أما بقية اللائحة فضمت رشيد المسكيني، الفاعل النقابي في الفيدرالية الديمقراطية للشغل، ثم نهاد عرودي من الشبيبة الاتحادية، وسفيان الكليوي.
وبذلك لم يكن اختيار الورديغي مجرد إضافة اسم إلى اللائحة، بل وضعه في المرتبة الثانية منحه موقعاً سياسياً وانتخابياً متقدماً على أسماء قادمة من التنظيم والنقابة والشبيبة.
وهنا يبرز السؤال: على أي وزن انتخابي بُني هذا الرهان؟
الورديغي دخل إلى الواجهة أساساً من بوابة المقاولة والعمل المهني. ففي يوليوز 2025 انتخب رئيساً للشبكة المغربية لهيئات المقاولات الصغرى خلال جمع عام تأسيسي عرف مشاركة 15 جمعية مهنية، وبرز لاحقاً في لقاءات وترافع متعلق بمشاكل المقاولات الصغرى.
لكن الترافع المهني يختلف عن القدرة على تحويل العلاقات المهنية إلى رصيد انتخابي.
إذا كان أحد عناصر الرهان عليه مرتبطاً بقربه من المقاولين والفاعلين الاقتصاديين، فإن النتيجة الحضرية تفتح التساؤل حول الحجم الحقيقي لذلك الامتداد عندما انتقل من فضاء الجمعيات واللقاءات المهنية إلى صناديق الاقتراع.
كما يظل سؤال التجربة المقاولاتية الشخصية مطروحاً: ما المقاولات التي راكم فيها الورديغي تجربته؟ وما حجمها ومسارها؟ بينما تظل تفاصيل تجربته كمقاول أقل حضوراً في النقاش العام.
سلوى الدمناتي.. خسارة قبل فتح صناديق الاقتراع
قراءة نتيجة الاتحاد الاشتراكي دون التوقف عند مغادرة سلوى الدمناتي ستجعل الصورة ناقصة.
ففي 31 غشت 2026، أي قبل الانتخابات بأقل من شهر، قدمت الدمناتي استقالتها رسمياً من الاتحاد الاشتراكي ومن مختلف هياكله وتنظيماته، مبررة القرار في رسالة موجهة إلى إدريس لشكر بما وصفته بتقييم منهجية الحزب واختياراته وممارساته التنظيمية والسياسية.
ولم تكن الدمناتي عضواً عادياً في التنظيم المحلي. فقد كانت نائبة برلمانية عن جهة طنجة تطوان الحسيمة خلال الولاية 2021-2026 وعضواً في لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، كما سبق لها تحمل مسؤوليات داخل هياكل الاتحاد الاشتراكي.
والأكثر أهمية أن الدمناتي نفسها كانت جزءاً من صعود الاتحاد الاشتراكي بطنجة سنة 2021، حين حصل الحزب على المقعد المحلي الذي فاز به بنطاهر وعلى مقعد الدائرة الجهوية الذي آل إليها، لتكون للحزب آنذاك تمثيلية برلمانية مزدوجة مرتبطة بطنجة.
لذلك يطرح توقيت مغادرتها سؤالاً لا يمكن تجاهله: هل دخل الاتحاد الاشتراكي انتخابات 2026 وقد فقد أحد وجوهه البرلمانية والتنظيمية الأكثر ظهوراً في المدينة في اللحظة التي كان يحتاج فيها إلى توسيع التعبئة؟
هل كانت المشكلة في ابتعاد المناضلين أم في إدارة الرصيد التنظيمي؟
هناك فرق بين وجود مناضلين في الاجتماعات وبين قدرة التنظيم على تحويلهم إلى تعبئة انتخابية يوم الاقتراع.
كما أن خروج الدمناتي قبيل الانتخابات، ووجود تقارير أقدم عن توترات تنظيمية داخل الاتحاد الاشتراكي بطنجة، يجعلان سؤال التماسك الداخلي مشروعاً من زاوية تحليل النتيجة.
فهل شعر مناضلو الحزب بأنهم جزء أساسي من مشروع اللائحة؟ وهل تم استثمار التنظيمات النقابية والشبابية والمحلية بكامل طاقتها؟ أم أن الرهان على استقطابات جديدة أخذ مساحة أكبر مما كان ينبغي؟
من أكثر من 11 ألف صوت إلى 3249
وتصبح الأسئلة أكثر ثقلاً عند العودة إلى انتخابات 2021.
فبنطاهر تمكن آنذاك من الظفر بالمقعد الخامس بعدما حصل الاتحاد الاشتراكي على نحو 11 ألفاً و650 صوتاً، في حين انتهى استحقاق 2026 عند 3249 صوتاً فقط.
حجم الفارق يجعل مراجعة الاختيارات أمراً منطقياً: الحزب الذي دخل برلمان 2021 من طنجة بمقعدين مرتبطين بالمدينة، بنطاهر والدمناتي، خرج من انتخابات 2026 من دون المقعد المحلي، بعدما غادرت الدمناتي التنظيم قبل الاقتراع.
فبعد إغلاق الصناديق، لم يعد السؤال فقط لماذا خسر بنطاهر مقعده، بل أيضاً: ماذا خسر الاتحاد الاشتراكي بخروج وجوه راكمت حضوراً تنظيمياً وبرلمانياً؟ وهل عوضت الاستقطابات الجديدة ذلك الفراغ؟ وهل كان الوزن الانتخابي المفترض للورديغي مطابقاً لما أظهرته النتائج داخل مدينة طنجة؟
الصندوق لا يجيب عن كل ذلك، لكنه ترك رقماً واضحاً: 3249 صوتاً فقط للائحة، و1350 منها داخل المقاطعات الأربع لمدينة طنجة.
وهذه الأرقام وحدها كافية لفتح نقاش داخل الاتحاد الاشتراكي حول اللائحة، والتنظيم، والمناضلين، والاستقطابات الجديدة، قبل البحث عن تفسير الخسارة خارج البيت الحزبي.


