لم تعد معركة محمد الزموري في انتخابات 2026 مجرد مواجهة عادية مع لوائح حزبية وأسماء تنافسه على المقاعد الخمسة لدائرة طنجة أصيلة، لأن المشهد الذي يعود إليه هذه المرة تغير بشكل واضح مقارنة بمحطات سابقة، ليس فقط من حيث الحزب الذي يخوض باسمه السباق بعد انتقاله من الاتحاد الدستوري إلى الحركة الشعبية، وإنما أيضاً من حيث طبيعة الناخب نفسه وطريقة وصول المعلومة السياسية إليه. فالزموري يدخل الانتخابات مستنداً إلى تجربة طويلة، وإلى شبكة من العلاقات راكمها على مدى سنوات داخل المدينة ومحيطها، وإلى معرفة دقيقة بطريقة اشتغال الخريطة الانتخابية، غير أن خصماً جديداً أصبح حاضراً في هذه المعركة دون أن يحمل رمزاً انتخابياً أو يعلق صوراً في الشوارع، إنه الهاتف المحمول الذي أصبح في جيب المواطن وفتح أمامه باباً واسعاً على الأخبار والمواقف والحصائل والانتقادات والتصريحات، وهو ما يجعل انتخابات 2026 مختلفة عن مجرد إعادة إنتاج لما وقع سنة 2021.
الزموري يدخل السباق برصيد انتخابي متراكم
عندما تصدر الزموري نتائج دائرة طنجة أصيلة سنة 2021 بحوالي 22 ألف صوت، لم يكن نجاحه مرتبطاً بحملة بدأت قبل أسابيع من الاقتراع، بل بمسار انتخابي طويل وعلاقات محلية تراكمت على مدى سنوات داخل مناطق مختلفة من الدائرة، فالسياسي الذي خاض انتخابات متعددة لا يبدأ كل استحقاق من الصفر، بل يدخل السباق وهو يعرف عدداً من الفاعلين المحليين، والعائلات، والأشخاص المؤثرين في مناطقهم، كما يمتلك شبكة من المعارف والأنصار والناخبين الذين اعتاد بعضهم دعمه في محطات سابقة. وفي المناطق القروية وشبه القروية تحديداً، كان الاتصال المباشر والزيارة والمعرفة الشخصية والوسيط المحلي يلعبون دوراً مهماً في صناعة القاعدة الانتخابية، وهي عناصر يعرف الزموري كيفية التعامل معها بحكم خبرته الطويلة، لذلك فإن السؤال في انتخابات 2026 لا يتعلق بكيف استطاع تحقيق تلك النتائج في الماضي، بل بما إذا كانت البيئة التي صنعت جزءاً من قوته ما تزال تعمل بالطريقة نفسها اليوم.
الإنترنت يصل إلى المناطق التي كانت بعيدة عن النقاش السياسي اليومي
أحد أبرز المتغيرات خلال السنوات الأخيرة هو الانتشار الواسع للإنترنت والهواتف الذكية في المناطق القروية وشبه القروية، وهو تحول لم يعد من الممكن التعامل معه باعتباره مسألة تقنية فقط، لأنه أصبح يحمل آثاراً اجتماعية وسياسية واضحة. فالهاتف الذي كان يستعمل في البداية للتواصل البسيط أصبح اليوم بوابة للأخبار ومقاطع الفيديو والنقاشات السياسية، وأصبحت تطبيقات مثل واتساب وفيسبوك ويوتيوب وتيك توك حاضرة داخل القرى والدواوير كما هي حاضرة في المدن. وهذا يعني أن الناخب الذي كان يحصل سابقاً على معلوماته حول المرشحين من محيطه القريب، أو من شخص يعرفه في المنطقة، أو من زيارة انتخابية مباشرة، أصبح اليوم قادراً على البحث بنفسه ومتابعة ما يقال عن كل مرشح، وهو تحول يغير تدريجياً العلاقة التقليدية بين المرشح والناخب.
الناخب لم يعد يستقبل رواية واحدة
في الانتخابات السابقة، كان بإمكان المرشح أو الشخص المؤثر في منطقة معينة أن يحتكر جانباً مهماً من التواصل مع الناخبين، لأن المعلومة كانت تتحرك في دوائر محدودة وتصل إلى المواطن عبر علاقاته الاجتماعية القريبة، أما اليوم فقد تغير هذا الوضع بعدما أصبح الناخب يسمع أكثر من رواية حول المرشح نفسه. فقد يخبره شخص بأنه صاحب تجربة مهمة، ثم يفتح المواطن هاتفه ليجد انتقادات موجهة إليه، وقد يسمع أن مرشحاً آخر ضعيف، ثم يشاهد له لقاء أو تصريحاً يقنعه بعكس ذلك، وقد تصله وعود من حملة انتخابية معينة فيقارنها بما قدمه أصحابها خلال السنوات الماضية. هذه القدرة على المقارنة لا تعني أن الناخب أصبح أكثر وعياً بشكل تلقائي، لكنها تعني أن مصادر المعلومة أصبحت متعددة، وأن قدرة أي طرف على التحكم الكامل في الصورة التي تصل إلى المواطنين أصبحت أضعف مما كانت عليه قبل سنوات.
الهاتف يكشف طرق اشتغال الحملات الانتخابية
التغيير لا يتعلق فقط بما يعرفه المواطن عن الأشخاص المرشحين، بل أيضاً بما أصبح يعرفه عن الطريقة التي تدار بها الانتخابات نفسها. فمواقع التواصل الاجتماعي تحولت إلى فضاء يناقش فيه المواطنون تفاصيل كانت في السابق تبقى محصورة بين المشتغلين بالسياسة والانتخابات، مثل طرق تعبئة الأصوات، ودور الوسطاء المحليين، وأهمية الأشخاص المؤثرين داخل الأحياء والدواوير، وانتقال بعض المرشحين من حزب إلى آخر، والتحالفات التي تتشكل قبل الاقتراع وبعده، وكيفية بناء شبكات انتخابية تمتد لسنوات. ونتيجة لذلك أصبح الناخب أكثر قدرة على فهم الطريقة التي تشتغل بها بعض الحملات، وقد يدرك أن العلاقة الشخصية بالمرشح أو بأحد مقربيه لا تعني بالضرورة أن عليه منحه صوته، وهو تغير قد يبدو بسيطاً لكنه يمس واحدة من أهم القواعد التي قامت عليها الانتخابات التقليدية في عدد من المناطق.
العلاقة الشخصية شيء والتصويت شيء آخر
من أهم التحولات التي قد تظهر في انتخابات 2026 أن عدداً أكبر من المواطنين أصبح يدرك بشكل أوضح أن علاقته الاجتماعية أو الشخصية بمرشح أو بأحد أنصاره لا تلزمه سياسياً داخل مكتب التصويت. فقد يعرف الناخب شخصاً يدعم مرشحاً معيناً، أو تجمعه علاقة قديمة بأحد أعضاء حملته، أو يعيش في منطقة اعتادت التصويت لاتجاه سياسي محدد، وقد يشارك في لقاء أو يستقبل المرشح أو يعده بدعمه، لكن ذلك كله ينتهي عند باب المعزل، لأن لحظة التصويت تبقى سرية ولا يستطيع أي طرف معرفة الاختيار الحقيقي للناخب. هذه الفكرة، التي أصبحت تناقش بشكل أوسع عبر مواقع التواصل، قد تمنح الناخب شعوراً أكبر باستقلالية القرار، خصوصاً عندما يدرك أن المجاملة الاجتماعية خارج مكتب التصويت لا تعني أن عليه بالضرورة تكرار الاختيار نفسه داخله.
الزموري أمام ناخب يستطيع العودة إلى أرشيفه السياسي
بالنسبة إلى محمد الزموري، يحمل هذا التحول الرقمي تحدياً مختلفاً عن التحدي الذي يواجه مرشحاً جديداً، فالمرشح الجديد يسعى أساساً إلى جعل الناس يعرفونه، بينما السياسي صاحب المسار الطويل يواجه وضعاً معاكساً، لأن الناس يستطيعون اليوم البحث في سنوات طويلة من حضوره السياسي والبرلماني. يستطيع الناخب أن يعرف الأحزاب التي مر منها، وأن يتابع انتقاله من الاتحاد الدستوري إلى الحركة الشعبية، وأن يبحث عن نشاطه داخل البرلمان، وعن الأسئلة التي تقدم بها، وعن القضايا التي دافع عنها، وعن حضوره داخل دائرة طنجة أصيلة، كما يستطيع قراءة الانتقادات الموجهة إليه والردود التي يدافع بها أنصاره عن تجربته. وبالتالي لم يعد النقاش الانتخابي يقتصر على الصورة التي تقدمها الحملة، لأن الهاتف منح المواطن إمكانية الرجوع إلى أرشيف أوسع يسمح له بتكوين موقفه بناء على أكثر من مصدر.
واتساب يدخل إلى قلب العلاقات التقليدية
إذا كان فيسبوك وتيك توك ويوتيوب يصنعون مساحة واسعة للنقاش العام، فإن واتساب قد يكون أكثر تأثيراً داخل المناطق التي تقوم العلاقات فيها على الثقة العائلية والاجتماعية المباشرة. فمجموعة صغيرة لأبناء دوار أو لعائلة أو لسكان حي أو لمهنيين يمكن أن تتحول إلى قناة سريعة لنقل الأخبار والمواقف ومقاطع الفيديو، وتكون الرسالة التي تصل عبر شخص معروف أكثر تأثيراً من منشور صادر عن صفحة مجهولة. وهنا تكمن أهمية التحول الحالي، لأن الإنترنت لم يقض على الشبكات الاجتماعية التقليدية، بل دخل إليها وأصبح جزءاً منها، فالناس الذين كانوا يتبادلون الأخبار في السوق أو المقهى أو اللقاء العائلي أصبحوا يفعلون ذلك طوال اليوم عبر الهاتف، وهو ما يجعل الرأي السياسي داخل هذه الدوائر أسرع تغيراً وأكثر تعرضاً للمعلومات المتناقضة.
القاعدة الانتخابية القديمة لم تعد مغلقة
التحدي الحقيقي بالنسبة إلى الزموري لا يكمن في أن أنصاره سيغيرون مواقفهم بالضرورة، بل في أن الدوائر الاجتماعية التي تشكلت داخلها الولاءات الانتخابية لم تعد مغلقة كما كانت. فالناخب الذي كان يسمع موقفاً واحداً داخل محيطه أصبح قادراً اليوم على مشاهدة خطاب منافس، أو الاطلاع على انتقاد، أو اكتشاف معلومة جديدة، أو مقارنة البرامج، ثم اتخاذ قراره بعيداً عن الشخص الذي كان يشكل سابقاً مصدره الأساسي للمعلومة. هذا لا يعني أن العلاقات الشخصية فقدت قيمتها، فهي ما تزال عاملاً مهماً جداً في الانتخابات، خصوصاً في المناطق التي يحضر فيها البعد العائلي والاجتماعي بقوة، لكنه يعني أن هذه العلاقات أصبحت تعمل داخل فضاء أكثر انفتاحاً على معلومات أخرى، ما يجعل التحكم الكامل في اتجاه الناخب أكثر صعوبة.
هل ما تزال شبكات النفوذ قادرة على توجيه الأصوات بالطريقة نفسها؟
هذا هو أحد الأسئلة الأساسية في انتخابات 2026، لأن نموذج العمل الانتخابي الذي يعتمد على الأشخاص المؤثرين والعلاقات المحلية والقدرة على تعبئة كتل معروفة من الأصوات سيواجه هذه المرة ناخباً أكثر اتصالاً بمحيطه الخارجي. فقد يستطيع شخص مؤثر في منطقة معينة أن يقنع عدداً من الناس بدعم مرشح، لكن من الصعب معرفة إن كان هؤلاء سيترجمون ذلك فعلياً داخل المعزل، لأن الناخب أصبح أكثر وعياً بسرية التصويت وبأن قراره النهائي لا يمكن التحقق منه. وقد تكون هذه النقطة تحديداً هي التي ستجعل تقدير الأحجام الانتخابية أكثر تعقيداً، لأن إعلان الدعم في الخارج لن يكون دائماً مؤشراً دقيقاً على ما سيقع داخل الصندوق.
الاستقبال والمجاملة لا يكشفان الاختيار الحقيقي
في الحملات الانتخابية يمكن للمرشح أن يزور منطقة ويستقبله عشرات الأشخاص بحفاوة، ويمكن لأفراد عائلة أو سكان حي أن يؤكدوا له دعمهم، ويمكن لفاعل محلي أن يقدم له ضمانات بشأن عدد من الأصوات، لكن لحظة التصويت تظل مختلفة تماماً عن كل ما يسبقها. فالناخب عندما يدخل إلى المعزل يكون وحده أمام ورقة التصويت، ولا يكون ملزماً بما قاله في اجتماع أو بما وعد به شخصاً يعرفه أو بما توقعه منه محيطه الاجتماعي. وكلما توسعت هذه الثقافة لدى المواطنين، أصبحت الحملات مضطرة إلى الاعتماد أكثر على الإقناع الحقيقي وأقل على تقدير الولاءات بناء على العلاقات وحدها، وهو تحول قد يغير كثيراً من الحسابات التي اعتاد عدد من المرشحين بناء حملاتهم على أساسها.
الإنترنت لا يعني بالضرورة خسارة الزموري
رغم كل هذه التحولات، سيكون من التبسيط القول إن انتشار الهاتف والإنترنت يعني أن الزموري سيخسر تلقائياً جزءاً من قوته الانتخابية، لأن التجربة والعلاقات والحضور الميداني تظل عناصر مهمة في أي استحقاق انتخابي. فالناخب قد يبحث عن مرشح على الإنترنت ويجد ما يعزز اقتناعه به، وقد يرى في خبرته الطويلة نقطة قوة، وقد يعتبر أنه أكثر قدرة من منافسين جدد على الدفاع عن مصالح الدائرة، كما أن التنظيم الميداني يظل حاسماً في الوصول إلى الناخبين وتحفيزهم على المشاركة. لذلك فالمواجهة ليست بين الزموري والهاتف بمعنى أن أحدهما سيقضي على الآخر، بل بين طريقة انتخابية مجربة أثبتت قدرتها على جمع الأصوات وبين مجتمع تغيرت فيه طريقة صناعة القرار السياسي.
المعركة أصبحت بين الثقة القديمة والمعلومة الجديدة
ما يميز انتخابات 2026 هو أن الثقة التقليدية التي بنيت عبر سنوات ستجد نفسها أمام تدفق يومي من المعلومات الجديدة، وسيكون على الناخب أن يوازن بين ما يعرفه شخصياً عن المرشح وما يراه ويسمعه عبر هاتفه. فقد يحتفظ المواطن بعلاقة جيدة مع مرشح أو أحد أنصاره، لكنه في الوقت نفسه يطلع على انتقادات تخص حصيلته، وقد يعرف منافساً جديداً فقط من خلال الإنترنت ثم يقرر منحه ثقته، كما قد يحدث العكس تماماً ويقتنع بأن المرشح الذي يعرفه منذ سنوات هو الخيار الأفضل بعد مقارنة المعلومات المتاحة. هذا التداخل بين الثقة الاجتماعية والمعلومة الرقمية سيكون واحداً من أبرز ملامح الانتخابات المقبلة، لأنه يجعل القرار أقل قابلية للتوقع من خلال العلاقات التقليدية وحدها.
اختبار حقيقي يوم 23 شتنبر
يدخل محمد الزموري انتخابات 23 شتنبر 2026 وكيلاً للائحة الحركة الشعبية بدائرة طنجة أصيلة، وسيكون هذا الاستحقاق اختباراً سياسياً لا يتعلق فقط بقدرته على الاحتفاظ بمقعد برلماني جديد، بل أيضاً بمدى قدرة شبكته الانتخابية القديمة على التكيف مع تحولات اجتماعية ورقمية واسعة. فإذا حافظ على قوته داخل المناطق التي شكلت على مدى سنوات جزءاً من قاعدته، فسيكون ذلك دليلاً على أن العلاقات الميدانية والتنظيم المحلي ما تزال قادرة على الصمود أمام تغير وسائل التواصل، أما إذا شهدت تلك المناطق تحولاً واضحاً في اتجاهات التصويت، فقد يفتح ذلك نقاشاً أوسع حول بداية تغير النموذج الانتخابي نفسه داخل دائرة طنجة أصيلة.
الهاتف قد لا يهزم الزموري لكنه غيّر قواعد اللعبة
في النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو هل سيهزم الهاتف محمد الزموري أم سينتصر الزموري على مواقع التواصل، لأن التكنولوجيا لا تصوت والهواتف لا تدخل إلى مكاتب الاقتراع، لكن ما فعلته التكنولوجيا هو أنها غيرت الناخب الذي يدخل إليها. فقد أصبح المواطن أكثر قدرة على البحث والمقارنة والاستماع إلى أكثر من طرف، وأكثر إدراكاً بأن علاقاته الاجتماعية لا تكشف اختياره النهائي، وهو تحول يجعل كل مرشح مضطراً إلى التعامل مع ناخب لا يكتفي بما يسمعه في محيطه المباشر. ولذلك فإن المعركة الأهم في انتخابات 2026 لن تكون بين المرشحين فقط، بل بين ثقافة انتخابية قديمة قامت على العلاقات والولاءات المحلية، وثقافة جديدة تتشكل بهدوء داخل شاشة صغيرة يحملها المواطن في جيبه، قبل أن يدخل وحده إلى المعزل ويقرر لمن يمنح صوته.


