كان في إحدى المدن قديماً رجل اسمه «السي العربي». يعرفه بقال الحي وصاحب المقهى، أما بعض جيرانه الذين عاشوا بالقرب منه سنوات طويلة، فلم يكونوا يعرفون عنه أكثر من أنه يسكن معهم في العمارة نفسها. لم يعرفوا له مساراً سياسياً واضحاً، ولم يسمعوا عن قاعدة انتخابية تقف خلفه، ولم يكن اسمه من الأسماء التي تتردد كلما اقترب موعد الانتخابات، ولم يبادر بأي مبادرة طيلة مساره.
لكن فجأة، استيقظت المدينة ذات صباح في موسم انتخابي، فوجدت صورة السي العربي في الشوارع.
السي العربي.. مرشح للبرلمان.
كان أول من فوجئ بالخبر سكان الحي. وثاني من فوجئ به… ربما السي العربي نفسه… حيث كان يقف أمام المرآة يوميا ويقول هل أنا مرشح للبرلمان… وينغز نفسه غير مصدقا
دخل المقهى في صباح الحملة، ونظر إلى الجالسين وكأنه ينتظر أن يسمع منهم عبارة «السيد النائب القادم». رفع صاحب المقهى رأسه وقال له: «آ السي العربي.. دي القهوة ديالك تفيقك!»، فضحك الجالسون.
لكن السي العربي كان قد دخل بالفعل في أجواء الانتخابات. صار يصافح الناس في الشوارع، وكل مصافحة كان يضيفها في رأسه إلى رصيده الانتخابي. قال له أحدهم: «بالتوفيق»، فحسبها صوتاً. طلب منه آخر صورة تذكارية، فحسبها صوتين. وعانقه ثالث وقال له: «الله يسهل عليك».
عاد السي العربي مساء إلى منزله وهو يشعر بأن البرلمان أصبح أقرب مما كان يتصور.
ثم جاء يوم الاقتراع. أغلقت المكاتب، وفتحت الصناديق، وبدأ الفرز. وهناك اكتشف السي العربي واحدة من أقدم قواعد السياسة:
المصافحة ليست صوتاً، والصورة ليست صوتاً، وعبارة «بالتوفيق» ليست صوتاً.
بل حتى الذين كانوا يضحكون معه في المقهى لم يكن مضموناً أنهم وضعوا العلامة أمام لائحته.
وفي صباح اليوم التالي عاد السي العربي إلى المقهى. استقبله صاحبه قائلاً: «السي النائب.. أش خبار البرلمان؟»، فقاطعه أحد الجالسين: «خليه من البرلمان.. سولوه الأول شحال جاب من صوت!»، وضحك المقهى.
هذه القصة ليس هدفها السخرية من حق أي مواطن في الترشح. الترشح حق، والناخب وحده يقرر من يستحق ثقته. وأي تشابه بينها وبين الواقع مجرد خيال.
الثقة لا تُطبع في المطبعة، والقاعدة الانتخابية لا تولد صباح انطلاق الحملة.
تذكرت قصة السي العربي مع انطلاق الحملة الانتخابية في طنجة أصيلة، لأن الانتخابات تقدم أحياناً أسماء تملك التزكية والصور والملصقات، ويبقى السؤال الوحيد الذي لا تستطيع أي كاميرا الإجابة عنه:
أين هم الناخبون؟
وأنا أتذكر هذه القصة، خطر ببالي مرشح انتخابي بطنجة رغم عدم التشابه بينهم لكن ما ذكرتي بها هو غيابه لسنوات عن السياسة… إنه دحمان، وكيل لائحة حزب التقدم والاشتراكية بطنجة أصيلة.
فدحمان لا يدخل تجربة الانتخابات التشريعية للمرة الأولى. سنة 2011 خاض الاستحقاقات في الدائرة نفسها وكيلاً للائحة حزب البيئة والتنمية المستدامة، ولم يتمكن من الحصول على مقعد، فيما تستعيد تقارير صحفية محلية تلك المشاركة وتتحدث عن نتيجة دارت في حدود 800 صوت تقريباً.
والرقم هنا مهم، ليس لأنه يحكم على نتيجة 2026 مسبقاً، فذلك أمر يقرره الناخبون، وإنما لأنه يضع أمام دحمان سؤالاً لا يمكن لأي حملة انتخابية أن تتجاوزه:
ماذا تغير منذ 2011؟
مرت قرابة خمسة عشر عاماً. تغير الحزب. تغير الرمز. تغير السياق السياسي. وعاد دحمان هذه المرة وكيلاً للائحة «الكتاب».
لكن هل تغير الرصيد الانتخابي أيضاً؟
هذا تحديداً ما ستكشفه صناديق الاقتراع. لأن السؤال ليس كم صورة سينشرها المرشح خلال الحملة، ولا كم شخصاً سيصافح، ولا عدد من سيكتبون له «بالتوفيق» تحت منشوراته.
السؤال أكثر بساطة وقسوة:
من سيصوت لدحمان ؟
وأين توجد القاعدة الانتخابية التي سيعتمد عليها للمنافسة في دائرة طنجة أصيلة؟ وما هي مبادراته خلال السنوات الماضية التي جعلت الشارع الطنجاوي يعرفه ويثق في قدراته؟
إذا كانت تجربة 2011، بحسب ما تستعيده التقارير الصحفية، توقفت عند حوالي 800 صوت، ثم غاب بعدها لسنوات، فالشارع الطنجاوي يخاف أن يتكرر ذلك مجدداً… وهنا لا أتحدث عن عدد الأصوات، فقد تزيد أو تقل، فلا شيء مضمون في مرشح خفيف الظل. فمن حق الرأي العام أن يسأل عن الرصيد الذي راكمه الرجل خلال خمسة عشر عاماً، والذي جعل حزب التقدم والاشتراكية يضعه اليوم في رأس لائحته.
وهنا يتحول السؤال من دحمان إلى «الكتاب» نفسه:
على ماذا راهن الحزب؟
فالتزكية يعطيها الحزب، أما الثقة فيعطيها المواطن. ويستطيع الحزب أن يضع اسم مرشحه في رأس اللائحة، لكنه لا يستطيع أن يضع آلاف العلامات أمامها داخل صناديق الاقتراع.
الأكثر من ذلك أن اختيار دحمان جاء في سياق انتقادات داخل التنظيم لطريقة تدبير المرحلة، وعن ابتعاد بعض الأعضاء أو تجميد عضويتهم. ومن بين الحالات التي جرى تداولها حالة أحمد المدياني، الذي تحدثت تقارير عن تجميده عضويته احتجاجاً على طريقة تدبير المرحلة.
وهذه المعطيات تجعل السؤال الانتخابي أكثر إلحاحاً: إذا كان الحزب يريد المنافسة، فهل يدخل الحملة بتنظيم موحد وقادر على التعبئة، أم أنه مطالب أولاً بترميم بيته الداخلي؟
ثم يأتي البرنامج الانتخابي.
ومع انطلاق الحملة، أصبح أمام دحمان فرصة كاملة للرد على كل هذه الأسئلة في الميدان. قد يفاجئ منتقديه. وقد يثبت أن لديه رصيداً انتخابياً لم يظهر بعد. وقد تأتي صناديق الاقتراع بنتيجة مختلفة تماماً عن تجربته السابقة.
لكن إلى أن يحدث ذلك، ستبقى الأسئلة مشروعة. فالانتخابات لا تحسمها جودة الصورة، ولا عدد المصافحات، ولا حجم الابتسامة فوق الملصق.
الصندوق لا يعرف المجاملة.
وفي النهاية سيختصر كل الضجيج في رقم. وحينها فقط سنعرف إن كان دحمان قد بنى خلال خمسة عشر عاماً قاعدة انتخابية قادرة على تغيير صفحة 2011، أم أن «الكتاب» فتح له صفحة جديدة بينما بقي السؤال القديم مكتوباً في أعلاها:
أين الأصوات؟
ولعل قصة «السي العربي» تلخص المشهد كله. ففي الانتخابات قد يبتسم لك الناس، ويصافحونك، ويلتقطون الصور معك، ويتمنون لك التوفيق… لكن عندما يدخل الناخب وراء الستار، يكون وحده.
وهناك تنتهي المجاملات وتبدأ السياسة.
ولهذا فإن الامتحان في طنجة أصيلة لن يكون لدحمان وحده، بل لحزب التقدم والاشتراكية أيضاً. فإذا حقق دحمان نتيجة قوية، سيكون الصندوق قد رد على المشككين، ومنهم أنا كاتب المقال.
أما إذا جاءت النتيجة شديدة الضعف، فلن يكون السؤال فقط: لماذا لم ينجح دحمان في إقناع الناخبين؟
بل سيظهر سؤال أكثر إحراجاً:
هل خسر «الكتاب» رهانه يوم الاقتراع.. أم بدأت المشكلة يوم اختار وكيل لائحته؟



تعليقات
0