أعلنت المعاهد العليا للمهن التمريضية وتقنيات الصحة بالمغرب عن تسجيل رقم قياسي غير مسبوق في أعداد المترشحين للمباراة الخاصة بالموسم الجامعي المقبل، حيث تجاوز عدد المسجلين مئة وستة آلاف مترشح ومترشحة. ويأتي هذا الإقبال القياسي للتنافس على 4985 مقعداً فقط متاحاً هذا العام، مما يعكس تحولاً جذرياً في التوجهات الأكاديمية للشباب المغاربة نحو قطاع التمريض.
وفي الوقت الذي يرى فيه مهنيون ونقابيون أن هذه الأرقام تترجم الجاذبية المتزايدة للمهنة داخل المجتمع، فإنهم ينبهون في الوقت ذاته إلى التحديات الكبيرة التي تطرحها هذه المفارقة، خاصة ما يتعلق بمحدودية الطاقة الاستيعابية للمعاهد وضرورة الحفاظ على جودة التكوين لمواكبة حاجيات المنظومة الصحية الوطنية.
ولم يعد قطاع التمريض في المغرب مجرد وظيفة عابرة أو خيار بديل، بل تحول إلى مسار أكاديمي مغرٍ يسحب البساط تدريجياً من كليات العلوم والآداب التقليدية ليصبح خياراً أولاً للنخب التعليمية الحاصلة على ميزات تفوق “حسن” في شهادة الباكالوريا. ويرجع هذا التهافت اللافت إلى التطور الأكاديمي الملموس الذي شهدته هذه المعاهد من خلال اعتماد نظام الإجازة والماستر والدكتوراه، مما يمنح الطالب أفقاً علمياً واعداً، خاصة مع الترقب القريب لافتتاح سلك الدكتوراه الذي سيعزز مكانة المعاهد كمؤسسات للبحث العلمي الرصين. بالإضافة إلى ذلك، تراكمت نضالات الممرضين الشباب لفرض هيبة مجتمعية جديدة للمهنة، عززتها الدروس المستخلصة من جائحة كوفيد-19 وتوصيات منظمة الصحة العالمية التي تدعو لحماية وتقنين هذه المهن كأعمدة رئيسية للنظم الصحية.
غير أن هذا الإقبال القياسي يصطدم بتراجع حاد في عدد المقاعد المخصصة للمباراة هذا العام؛ إذ انخفضت بنسبة تقارب 42% مقارنة بالموسم الماضي لتستقر في حدود 4985 مقعداً. وتثير هذه الخطوة تساؤلات واسعة لدى المتتبعين للشأن الصحي حول دواعي تقليص فرص التكوين، في وقت تشهد فيه المستشفيات والمراكز الصحية المغربية خصاصاً مستمراً في مواردها البشرية.
وأمام هذه المفارقة، يطالب مهنيون ونقابيون بإطلاق مخطط وطني متعدد السنوات لتوسيع الطاقة الاستيعابية للمعاهد وتحديث بنياتها التحتية، مع توفير فضاءات تدريب ميداني ملائمة داخل المستشفيات لضمان جودة التكوين. كما يشدد الفاعلون على أهمية ربط مخرجات التكوين بخارطة صحية وطنية ذكية تضمن توزيعاً عادلاً للخريجين، مما يسهم في سد العجز وبناء منظومة صحية متكاملة تواكب متطلبات الواقع ومستقبل المهنة.



تعليقات
0