في الوقت الذي كانت فيه ساكنة القصر الكبير وأحوازها تصارع السيول وتواجه خطر غرق ممتلكاتها تحت الأمطار الطوفانية، وبينما كان والي الجهة يرتدي بدلته الميدانية لتفقد الوضع وإيجاد الحلول، اختار مجلس جهة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة أن يغرد خارج السرب. ففي عز الأزمة المناخية، أطلق المجلس صفقة ضخمة تحت رقم 05/RTTA/2026، مخصصة حصرياً لـ”خدمات الاستقبال والإطعام”، بمبلغ تقديري صادم يناهز 1.934.400,00 درهم (قرابة 200 مليون سنتيم).
المفارقة التي أثارت غضب المتتبعين للشأن الجهوي تكمن في توقيت هذه الصفقة. فبينما كان “الغياب” السمة الأبرز لرئاسة المجلس عن المناطق المتضررة من الفيضانات بإقليم العرائش، كانت المصالح الإدارية للمجلس تنكب على تدبيج دفتر التحملات لتأمين “استراحة الشاي” و”وجبات الغداء الفاخرة”. الوثائق تكشف عن قائمة طعام (Menu) تتضمن “بسطيلة ” و”المشاوي” و”الحلويات البلدية” الموجهة لضيوف المجلس، في وقت كانت فيه عائلات القصر الكبير تبيت خارج منازلها.
ولا يقف الجدل عند سنة 2026 فقط، بل يعود إلى سنة 2024 حين أثارت صفقات مماثلة مرتبطة بخدمات الإطعام والاستقبال نقاشاً داخل الأوساط المتتبعة لميزانية التسيير، بعدما تم رصد اعتمادات مهمة لهذا الباب في سياق كانت فيه الجهة تعلن عن أولويات اجتماعية وتنموية ملحة. آنذاك طُرحت أسئلة حول منطق ترتيب الأولويات، ومدى انسجام نفقات “البروتوكول” مع واقع جماعات قروية تعاني من هشاشة البنيات التحتية، وضعف شبكات التطهير، وغياب تجهيزات التدخل السريع. وهو ما يجعل صفقة 2026 تبدو، بالنسبة لمنتقدي المجلس، امتداداً لنهج تدبيري لم يُستوعب فيه بعدُ درس الأزمات المتكررة.
عند تصفح تفاصيل الصفقة، نجد أن الكرم الحاتمي للمجلس من أموال دافعي الضرائب يتوزع على بنود “مستفزة” في ظل الأزمة:
وجبات “VIP”: مخصصة لكبار الضيوف بأسعار تعادل ميزانية تسيير مستوصف قروي لشهور.
الاستقبالات والندوات: رصد أزيد من 1.9 مليون درهم لسنة واحدة فقط، وهو مبلغ كان كفيلاً، حسب منتقدين، باقتناء آليات لشفط المياه أو تعزيز البنية التحتية المهترئة للقنوات بالمدن الغارقة.
البهرجة الزائدة: بنود تتعلق بالديكورات الزهرية (Bouquets) والخدمات الفندقية داخل مقرات الإدارة، مما يعكس “انفصالاً تاماً” عن واقع الجفاف الذي يتبعه فيضان، وكأن الجهة تعيش في “جزيرة معزولة” من الرفاهية.
الصورة التي تداولها نشطاء عبر منصات التواصل الاجتماعي قارنت بين حضور السلطة المحلية (الوالي والعمال) في قلب الأوحال بالقصر الكبير والعرائش لتوجيه فرق الإنقاذ، وبين “صمت” مجلس الجهة الذي اكتفى بفتح أظرفة صفقات “الماكلة” يوم 24 فبراير 2026. هذا “الشلل التدبيري” في الأزمات يقابله، بحسب نفس الأصوات، “نشاط مفرط” في استهلاك ميزانية التسيير، وهو ما يضع شعار “الجهة المواطنة” في مهب الريح.
المساءلة الأخلاقية: لمن تُطبخ هذه الصفقات؟
إن إصرار المجلس على تخصيص 193 مليون سنتيم للإطعام، في الوقت الذي تبرع فيه بعض البرلمانيين بأجورهم لفائدة الساكنة المتضررة، يُعد حسب متحدثين “ريعاً إدارياً” يخدم صورة الرئيس والوفود المرافقة له، بينما يظل المواطن البسيط هو “الحلقة الأضعف” الذي يؤدي ثمن “البريستيج” من حقه في الأمان والبنية التحتية.
مع اقتراب دورة مارس 2026، تتصاعد الأصوات المطالبة بإلغاء هذه الصفقة وتحويل اعتماداتها فوراً لتعويض المتضررين من الفيضانات أو تعزيز آليات التدخل الاستعجالي. إن سكان القصر الكبير والشمال قاطبة لا يحتاجون لجهة “تتقن الطبخ”، بل لجهة “تتقن الإنقاذ” وتعرف كيف تدبر الأزمات بعيداً عن كراسي الاجتماعات الوثيرة وموائد الطعام الفاخرة.


