وسط التحولات الكبيرة التي شهدتها طنجة على امتداد عقود، ظلت بعض معالم المدينة تحمل بين جدرانها ذاكرة زمن مختلف. ومن بين هذه المعالم تبرز سينما الريف، التي استطاعت أن تنتقل من قاعة مهددة بالاختفاء إلى فضاء ثقافي يعيد للسينما حضورها في قلب المدينة.
مسار هذه القاعة يعكس جانباً من العلاقة القديمة بين طنجة والفن السابع، وهي علاقة ارتبطت بخصوصية المدينة وانفتاحها على ثقافات متعددة، قبل أن تتغير ملامح المشهد السينمائي المغربي وتتراجع القاعات التقليدية أمام أنماط جديدة من المشاهدة.
قاعة ولدت في طنجة مختلفة
بدأت حكاية هذا الفضاء السينمائي سنة 1938، عندما كان يحمل اسم «سينما ريكس». وكانت طنجة آنذاك تعيش مرحلة استثنائية من تاريخها، حيث اجتمعت داخلها جنسيات ولغات وثقافات متعددة.
هذا التنوع انعكس على شاشة السينما، التي استقبلت إنتاجات قادمة من إسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة، وسط جمهور متنوع وجد في القاعات السينمائية واحداً من أبرز فضاءات الترفيه والثقافة في المدينة.
ومع دخول المغرب مرحلة جديدة بعد الاستقلال، تغيرت القاعة بدورها، سواء على مستوى هويتها أو نوعية الأفلام التي تقدمها، وحملت لاحقاً اسم «الريف»، فيما أصبحت الأفلام العربية والهندية أكثر حضوراً ضمن عروضها.
عندما فقدت القاعات جمهورها
لكن الزمن لم يكن رحيماً بالقاعات السينمائية التقليدية. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، بدأت عادات الجمهور تتغير بشكل سريع مع انتشار الفيديو والقرصنة وظهور وسائل جديدة لمشاهدة الأفلام خارج قاعات السينما.
وأمام هذا الواقع، تراجعت مداخيل عدد من القاعات المغربية، وأُغلقت فضاءات كانت لعقود جزءاً من الحياة اليومية للمدن.
سينما الريف وجدت نفسها بدورها أمام المصير ذاته، لتتوقف العروض وتدخل القاعة مرحلة من الصمت، وسط مخاوف من أن تفقد طنجة واحداً من معالم ذاكرتها الفنية.
إنقاذ القاعة بدل تركها للنسيان
في بداية الألفية الجديدة، ظهرت مبادرة ثقافية هدفها إعادة الحياة إلى المكان، بمشاركة فنانين وسينمائيين وفاعلين ثقافيين، من بينهم الفنانة يطو برادة والمخرج لطيف لحلو.
الفكرة تجاوزت إعادة فتح أبواب السينما أمام الجمهور. الرهان كان أكبر: تحويل المبنى إلى فضاء يحفظ الذاكرة السينمائية ويتيح في الوقت نفسه عرض إنتاجات لا تحظى دائماً بمساحة داخل القاعات التجارية.
وبعد إعادة تأهيل المكان، انطلقت تجربة سينماتيك طنجة، لتبدأ مرحلة جديدة أعادت القاعة إلى الخريطة الثقافية للمدينة.
السينما كمساحة للنقاش واللقاء
مع مرور السنوات، أصبحت «الريف» فضاءً يتجاوز مفهوم قاعة العرض التقليدية.
فإلى جانب مشاهدة الأفلام، بات المكان يحتضن لقاءات ونقاشات وأنشطة مرتبطة بالسينما والصورة، مع حضور للإنتاج المغربي والعربي والدولي، إضافة إلى الأعمال المستقلة والتجريبية.
وتتوفر السينما على قاعتين مختلفتي الحجم، ما يسمح باستضافة برامج متنوعة تجمع بين العروض واللقاءات الثقافية.
هذه التجربة منحت طنجة فضاءً يستطيع فيه الجمهور اكتشاف أفلام قد يكون من الصعب العثور عليها ضمن شبكات العرض السينمائي التجاري.
طنجة تحاول استرجاع شاشاتها
عودة سينما الريف ليست حالة منفصلة عن محاولات إعادة الاعتبار للفضاءات الثقافية بالمدينة.
فطنجة التي عرفت في مراحل سابقة عدداً من القاعات السينمائية الشهيرة، فقدت جزءاً مهماً منها مع مرور السنوات، بينما بدأت بعض المبادرات خلال الفترة الأخيرة تعيد الحياة إلى عدد من هذه الأماكن.
ويأتي ذلك في وقت أصبحت فيه المدينة تعرف دينامية ثقافية وسياحية وعمرانية متسارعة، ما يجعل الحفاظ على معالمها التاريخية والثقافية جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبلها.
بين ذاكرة القاعات وصناعة السينما
المفارقة أن تراجع عدد القاعات في المغرب يتزامن مع استمرار المملكة في جذب الإنتاجات السينمائية الأجنبية، مستفيدة من مواقع التصوير والخبرة التقنية المتراكمة، خصوصاً في ورزازات، إلى جانب مشاريع جديدة مرتبطة بالبنية التحتية للصناعة السينمائية.
غير أن صناعة الأفلام لا تكتمل فقط بمواقع التصوير والاستوديوهات. فوجود قاعات وفضاءات ثقافية قادرة على خلق جمهور سينمائي يظل عنصراً مهماً في بناء مشهد فني متكامل.
ومن هنا تكتسب تجربة «الريف» دلالة خاصة، لأنها اختارت حماية القاعة من الاختفاء ومنحها وظيفة جديدة بدلاً من تركها تتحول إلى مجرد ذكرى من ذكريات طنجة القديمة.
وبين ماضي «ريكس» وحاضر «الريف»، تختصر هذه القاعة نحو تسعة عقود من التحولات التي عاشتها المدينة. تغير الجمهور وتغيرت الأفلام وتغيرت طنجة نفسها، لكن الشاشة بقيت في مكانها، شاهدة على مدينة لطالما وجدت في السينما نافذة تطل منها على العالم.



تعليقات
0