في حوار اجراه الدكتور أنوار قورية، الخبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية، مع الخبير الديبلوماسي ورئيس حركة مغرب الغد الدكتور مصطفى عزيز، على هامش الانتصار الديبلوماسي الذي حققته المملكة المغربية في مجال الحكامة الطاقية وتنزيل مشروع استراتيجي يتعلق بالربط الطاقي عبر انبوب الغاز نيجيريا-المغرب. هذا نص الحوار
طنجة بوست: صادقت المجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا على الاتفاق الحكومي الخاص بمشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب. كيف تقرؤون هذه الخطوة؟
مصطفى عزيز: هذه المصادقة ليست مجرد إجراء إداري أو قانوني، بل هي إعلان سياسي واستراتيجي بأن المشروع انتقل من مرحلة التصور والرؤية إلى مرحلة البناء المؤسساتي والتنفيذ الفعلي، فموافقة رؤساء دول المجموعة تعني أن المشروع أصبح يحظى بإجماع إقليمي، وأن دول غرب إفريقيا تعتبره مشروعها الجماعي، وليس مشروعا ثنائيا بين المملكة المغربية ونيجيريا فقط، وهذا يؤكد حكمة الرؤية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، سنة 2016 خلال زيارته التاريخية لأبوجا، حين طرح مشروعا غير مسبوق يقوم على جعل الطاقة وسيلة لتحقيق التنمية والاندماج الإفريقي، وليس أداة للصراع أو الهيمنة.
طنجة بوست: ما الذي يجعل هذا المشروع مختلفا عن باقي مشاريع أنابيب الغاز في العالم؟
مصطفى عزيز: هناك ثلاثة عناصر أساسية: أولا، من حيث الحجم، نحن أمام أحد أطول خطوط نقل الغاز في العالم، إذ يمتد على حوالي 6000 كيلومتر، ويعبر 13 دولة إفريقية قبل وصوله إلى المغرب، ثم ارتباطه بشبكة الغاز المغاربي-الأوروبي. ثانيا، من حيث الفلسفة، فالمشروع لا يقتصر على نقل الغاز، بل يهدف إلى خلق فضاء اقتصادي متكامل يمتد من خليج غينيا إلى أوروبا وثالثا، من حيث الرؤية الجيوسياسية، فهو مشروع للتنمية المشتركة وليس مشروعا موجها ضد أي طرف، إذ يقوم على مبدأ رابح-رابح الذي لطالما دافعت عنه المملكة المغربية في علاقاتها الإفريقية.
طنجة بوست: البعض ينظر إلى المشروع باعتباره مجرد خط لنقل الغاز نحو أوروبا، هل هذا التصور صحيح؟
مصطفى عزيز: هذا فهم ناقص للمشروع، في الحقيقة، أوروبا ليست سوى إحدى الوجهات. فالهدف الأول هو تزويد دول غرب إفريقيا نفسها بالغاز الطبيعي وربطها بشبكة طاقية حديثة تمكنها من إنتاج الكهرباء وتطوير الصناعة، على اعتبار أن الكثير من الدول التي سيعبرها الأنبوب تعرف خصاصا كبيرا في الطاقة، وهو ما يعيق الاستثمار والتنمية الصناعية، ولهذا فإن المشروع سيخلق سوقا طاقية إفريقية موحدة، وسيسمح بإنشاء محطات كهرباء ومناطق صناعية جديدة، كما سيخفض كلفة الطاقة بالنسبة للمقاولات والمواطنين.
طنجة بوست: أين تكمن القيمة المضافة للمغرب داخل هذا المشروع؟
مصطفى عزيز: المغرب لا يملك احتياطات ضخمة من الغاز مثل نيجيريا، لكنه يملك ما هو أهم، وهو الرؤية والاستقرار والبنية التحتية والموقع الجغرافي، المملكة أصبحت اليوم منصة استراتيجية تربط إفريقيا بأوروبا، كما أن المغرب راكم خبرة كبيرة في إدارة المشاريع الكبرى، سواء في مجال الطاقات المتجددة أو الموانئ أو الخدمات اللوجستية، لذلك، ليس من قبيل الصدفة أن يكون مقر الشركة المكلفة بالمشروع في الدار البيضاء، بينما سيكون مقر هيئة الحكامة في أبوجا، وهو ما يعكس الثقة الدولية التي تحظى بها المؤسسات المغربية.
طنجة بوست: ما هي أهم المراحل المقبلة بعد مصادقة المجموعة؟
مصطفى عزيز: المرحلة الحالية هي مرحلة التنظيم المؤسساتي، حيث سيتم إنشاء الشركة التي ستتولى قيادة المشروع، ثم هيئة الحكامة، وبعد ذلك سيتم تعبئة التمويلات الدولية من المؤسسات المالية والبنوك وصناديق الاستثمار، بعدها تأتي مرحلة القرار النهائي للاستثمار، وبحسب المعطيات المتوفرة، من المنتظر أن تنطلق الأشغال سنة 2028، على أن تبدأ أولى عمليات نقل الغاز في حدود 2031، هذه المراحل ضرورية لأننا نتحدث عن مشروع تتجاوز كلفته عشرات المليارات من الدولارات، ويتطلب تنسيقا بين عدد كبير من الدول والمؤسسات.
طنجة بوست: هل يمكن اعتبار هذا المشروع انتصارا للدبلوماسية المغربية؟
مصطفى عزيز: بكل تأكيد، فقد أثبتت الدبلوماسية المغربية، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أنها قادرة على تحويل الرؤية السياسية إلى مشاريع اقتصادية ملموسة، فالمغرب لم يكتف بالدفاع عن مصالحه الوطنية، بل اقترح مشروعا يخدم القارة الإفريقية بأكملها، وهذا هو جوهر السياسة الإفريقية للمملكة، التي تقوم على الاستثمار والتضامن والشراكة وليس على الخطابات، وتجدر الاشارة في هذا السياق إلى أن بلدنا الحبيب أضحى فاعلا رئيسيا في الأمن الطاقي الإفريقي، كما أصبح شريكا موثوقا بالنسبة للاتحاد الأوروبي في تنويع مصادر الطاقة.
طنجة بوست: هل لهذا المشروع أبعاد تتجاوز الجانب الاقتصادي؟
مصطفى عزيز: طبعا، الطاقة اليوم أصبحت جزءا من الأمن القومي للدول، ومن يملك القدرة على الربط الطاقي يملك أيضا القدرة على صناعة الاستقرار، هذا المشروع سيعزز الأمن الطاقي، ويحد من الفقر الطاقي، ويخلق آلاف فرص الشغل، ويشجع الاستثمار الصناعي، ويقوي التكامل الإقليمي، كما أنه سيساهم في الحد من الهجرة غير النظامية، لأن التنمية الاقتصادية تظل أفضل وسيلة لمعالجة أسبابها.
طنجة بوست: كيف تنظرون إلى دور الملك محمد السادس في بلورة هذا المشروع؟
مصطفى عزيز: إذا أردنا الحديث بموضوعية، فإن الفضل في إطلاق هذا المشروع يعود إلى الرؤية الملكية السامية التي أعلنها جلالة الملك محمد السادس سنة 2016، جلالته لم ينظر إلى إفريقيا كسوق اقتصادية فقط، بل كشريك استراتيجي ومستقبل مشترك، ومنذ ذلك التاريخ، عمل المغرب على ترجمة هذه الرؤية إلى اتفاقيات وشراكات واستثمارات ومشاريع ميدانية، واليوم، ونحن نرى المشروع يدخل مرحلة التنفيذ، يتأكد أن الرؤية كانت بعيدة المدى، وأنها استندت إلى قراءة دقيقة للتحولات الجيوسياسية والطاقية التي يشهدها العالم.
طنجة بوست: كلمة أخيرة
مصطفى عزيز: أعتقد أن مشروع أنبوب الغاز نيجيريا–المغرب ليس مجرد مشروع لنقل الطاقة، بل هو مشروع لبناء مستقبل جديد لإفريقيا، إنه يجسد انتقال القارة من منطق تصدير المواد الخام إلى منطق بناء سلاسل قيمة إقليمية، ويؤكد أن التعاون الإفريقي قادر على إنتاج مشاريع كبرى ذات أثر عالمي، كما أن هذا المشروع يعكس المكانة التي أصبحت تحتلها المملكة المغربية، بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، باعتبارها جسرا استراتيجيا بين إفريقيا وأوروبا، ونموذجا في توظيف الدبلوماسية الاقتصادية لخدمة التنمية والاستقرار والازدهار المشترك.


