في ظل تراجع احتياطات السدود إلى مستويات مقلقة، يخطو المغرب بثبات نحو نموذج جديد في تدبير موارده المائية، عنوانه: التحلية، التخزين، والاستدامة. ومع نسبة ملء لا تتجاوز 32% من سعة السدود، وارتفاع معدلات التبخر والضغط المتزايد على الاستهلاك الزراعي والمنزلي، دخلت المملكة فعلياً مرحلة “التحول المائي” بهدف تأمين حاجياتها بحلول عام 2030.
الرد المغربي على الأزمة لم يكن ظرفياً، بل استراتيجياً، من خلال تسريع بناء السدود الكبرى والمتوسطة، وتطوير شبكات التحويل المائي بين الأحواض. فمنذ 2021، تم تدشين ستة سدود كبرى ويجري إنجاز 14 أخرى، إلى جانب 155 سداً صغيراً لتعزيز إمدادات العالم القروي، ومشروع تحويل مياه حوض سبو إلى أبي رقراق الذي أمّن التزود بالماء لمدن الساحل الأطلسي.
لكن التحلية تظل حجر الزاوية في هذا التحول. إذ تتوفر البلاد اليوم على 110 محطات متنقلة، مدعومة بـ1,200 شاحنة صهريج و10,000 خزان، تخدم نحو 2.7 مليون شخص سنوياً. وتهدف الحكومة إلى أن تغطي المياه المحلاة أكثر من 60% من حاجيات السكان في أفق 2030.
ويبرز في هذا التوجه مشروع محطة تحلية الدار البيضاء الكبرى، المنتظر أن تكون الأكبر في إفريقيا، بشراكة بين “أكسيونا” الإسبانية ومجموعتي “غرين أوف أفريكا” و”إفريقيا غاز”، بتمويل يضم 340 مليون يورو من المساعدات الإسبانية. وستوفر المحطة، الواقعة بإقليم الجديدة، 838 ألف متر مكعب من الماء يومياً عند اكتمالها سنة 2029، مع انطلاق أولى مراحل التشغيل سنة 2027.
هذا التقدم المغربي في تدبير الندرة المائية بات محط اهتمام دولي، في وقت تشهد فيه مناطق كالأندلس الإسبانية تأخراً في مشاريع مماثلة، ما أثار انتقادات واسعة داخل الأوساط الزراعية والسياسية الإسبانية، التي باتت تنظر إلى المغرب كنموذج متقدم في الابتكار المائي.
بفضل هذه المشاريع الطموحة، يتحول المغرب من بلد يواجه العطش إلى دولة رائدة في الأمن المائي، بصيغة تجمع بين الاستباقية البيئية، والكفاءة التقنية، والسيادة على الموارد الحيوية. تجربة مغربية تُروى بمياه البحر، وقد تصبح مرجعاً عالمياً في مواجهة التغيرات المناخية وتدبير الندرة في القرن الواحد والعشرين.


