أنوار قورية – خبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية

لأول مرة في تاريخ الحكومات المغربية يدخل الذكاء الاصطناعي إلى تسمية قطاع وزاري، فقد عيّن جلالة الملك محمد السادس نصره الله يوم 16 أكتوبر 2026 حكومة السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، وأُسندت فيها حقيبة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة إلى السيد أحمد رحو القادم من رئاسة مجلس المنافسة، وهذا الجمع بين الذكاء الاصطناعي وإصلاح الإدارة في وزارة واحدة، في تقديري الشخصي، إشارة سياسية واضحة إلى أن التكنولوجيا لم تعد ترفا في خطاب التحديث، وأنها صارت أداة لإصلاح ما عجزت عنه عقود من المذكرات الحكومية والدوريات الوزارية، والوزير الجديد لا ينطلق من فراغ، إذ قُدمت في شتنبر الماضي خارطة الطريق الوطنية للذكاء الاصطناعي في أفق 2030 بطموحات معلنة، منها مائة مليار درهم من القيمة المضافة للناتج الداخلي الخام، وخمسون ألف منصب شغل، وتكوين مائتي ألف كفاءة، وشبكة معاهد الجزري، ومساعد ذكي للمرتفقين، غير أن السؤال الجوهري الذي يجب أن يُطرح على مكتب الوزير منذ يومه الأول هو هل سيبقى الذكاء الاصطناعي واجهة رقمية أنيقة يتعامل معها المواطن، بينما يظل قلب الإدارة يشتغل بالمنطق القديم نفسه، ملفات عالقة وآجال لا تُحترم وشكايات لا يُعرف مصيرها ومسؤولية لا تُربط بالمحاسبة كما ينص على ذلك الدستور.
من هذا المنطلق أقترح على السيد الوزير أن يحمل إلى رئاسة الحكومة مشروعا جريئا يمكن تسميته الهيكل التنظيمي الذكي، هو هيكل مواز للهيكل الإداري التقليدي، ويتكون حصريا من وكلاء الذكاء الاصطناعي، والفكرة بسيطة في صورتها وعميقة في أثرها، في كل مصلحة وكل قسم من أقسام الإدارة العمومية يُثبَّت حاسوب متطور فوق مكتب بلا كرسي، لأن من يشغل هذا المكتب ليس موظفا من لحم ودم، وإنما وكيل ذكي يشتغل على مدار الساعة، ومهمته ليست تعويض الموظفين، مهمته تدقيق كفاءة الأداء ومراقبتها، وقياس مؤشرات النجاعة بدقة، من مدة معالجة كل ملف وحجم الملفات المتراكمة، إلى مدى احترام الآجال التي حددها القانون المتعلق بتبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، ونسبة الشكايات التي عولجت فعلا، ودرجة رضا المرتفقين بعد كل خدمة، ثم يرفع تقارير دورية موضوعية إلى المسؤول المكلف بالإدارة، تمكنه من تقييم جودة الخدمات بالأرقام لا بالانطباعات، وإذا كان المساعد الذكي الذي أعلنته خارطة الطريق يواجه المواطن ويرشده، فإن هذا الوكيل يواجه الإدارة نفسها ويضعها أمام مرآة أدائها قبل أن يضعها المواطن أمام غضبه، أما الكرسي الفارغ فرمزيته أبلغ من أي خطاب، منصب لا يتقاضى أجرا، ولا يتعب، ولا يجامل، ولا يعرف المحسوبية، وحتى لا تتحول الفكرة إلى شعار جميل، على السيد الوزير أن يبدأ بمرحلة تجريبية محدودة ومدروسة في مرافق تعرف إقبالا كبيرا، كمصالح الحالة المدنية في الجماعات والملحقات الاارية والمراكز الجهوية للاستثمار، مع تقييم مستقل لنتائجها قبل أي تعميم، ويحتاج المشروع بالموازاة مع ذلك إلى مرجع وطني موحد لمؤشرات نجاعة الأداء في الإدارة العمومية، يُنشر للعموم، حتى يعرف الموظف والمسؤول والمواطن على أي أساس يقاس العمل، ومن الضروري أن تُبنى هذه الوكلاء على بنية تحتية سيادية، داخل مراكز بيانات وطنية وبكفاءات مغربية تؤطرها معاهد الجزري، لأن بيانات أداء الإدارة جزء من سيادة البلاد ولا يجوز أن تعالج خارج حدودها، كما يقتضي نجاح المشروع تنسيقا محكما مع الوزارة المنتدبة المكلفة بإصلاح الإدارة، حتى يكون الهيكل الذكي جزءا عضويا من ورش الإصلاح لا مشروعا تقنيا معزولا، ويقتضي أيضا إدراجه ضمن الإطار القانوني المنظم للذكاء الاصطناعي الذي سبق للحكومة أن أعلنت الاشتغال عليه، ليستند إلى أساس تشريعي واضح يحدد صلاحياته وحدوده، أما وزارة احمد رحو فمسؤوليتها أن تحمي الفكرة من انحرافين محتملين، أن تتحول إلى أداة تجسس، أو أن تصير آلة عقاب، لذلك يجب أن يقوم الهيكل الذكي على قاعدة واضحة مفادها أن الوكيل يقيس الخدمة ولا يراقب الإنسان، فهو يتتبع مسار الملف وزمن الإنجاز وجودة الرد، ولا يقترب من الحياة الخاصة للموظف ولا من تفاصيل يومه، وهذا يفرض احترام القانون 09.08 المتعلق بحماية المعطيات ذات الطابع الشخصي، وإشراك اللجنة الوطنية لمراقبة حماية هذه المعطيات منذ مرحلة التصميم، ومنح كل موظف حق الاطلاع على لوحة القيادة الخاصة بأدائه وتقديم توضيحاته قبل رفع أي تقرير، ويجب أن يبقى القرار النهائي، تأديبيا كان أو تحفيزيا، بيد مسؤول بشري، فالخوارزمية تقترح والإنسان يقرر، وعلى الوزارة كذلك أن تشرك النقابات في صياغة المؤشرات، وأن تربط النتائج بنظام للتحفيز يكافئ المجتهدين قبل أن يحاسب المقصرين، وأن تدمج الموظفين العموميين في هدف تكوين مائتي ألف كفاءة، حتى يصبح الموظف شريكا للوكيل الذكي لا خصما له، ومن زاوية الذكاء الترابي، تكتمل الفكرة حين تُجمع تقارير AI Agent في لوحة قيادة وطنية وجهوية تكشف الفوارق في جودة الخدمة بين جهة وأخرى، وبين جماعة حضرية وأخرى قروية، حينها تصبح أداة في يد الولاة والعمال ورؤساء الجهات لتوجيه الموارد حيث تشتد الحاجة، خدمة للجهوية المتقدمة والعدالة المجالية.
في الأخير، المكتب الذي لا كرسي له ليس مجرد حاسوب في زاوية مصلحة إدارية، بل فلسفة جديدة في تدبير الشأن العام، فلسفة إدارة تقيس نفسها بنفسها قبل أن يقيسها المواطن بشكاياته وعزوفه، لقد نبهت الخطب الملكية مرارا إلى ضعف أداء الإدارة وتعقيد مساطرها، وأكدت أن المواطن هو جوهر المرفق العام، واليوم يملك المغرب لأول مرة وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي وإصلاح الإدارة معا، وخارطة طريق محددة الأهداف، وكفاءات قادرة على البناء، وهي فرصة نادرة أمام السيد الوزير ليجعل من الإدارة المغربية نموذجا إفريقيا وعربيا في الحكامة الذكية، شرط أن يبنى المشروع على الثقة لا على الخوف، وعلى السيادة لا على التبعية، ومع الإنسان لا ضده، فالإدارة التي تعرف أين تتعثر هي وحدها القادرة على أن تنهض، والكرسي الذي سيبقى فارغا فوق كل مكتب سيذكّر الجميع كل صباح بأن المرفق العام وُجد لخدمة المرتفق لا لانتظاره.


