بعد سنوات من جائحة كوفيد-19، ما تزال التداعيات الصحية للفيروس والآثار الجانبية للقاحات تثير تساؤلات لدى المواطنين. وفي قراءة علمية تستند إلى تسع دراسات ومراجع طبية دولية، يسلط الدكتور عادل زايدي، الطبيب البيولوجي ومدير مختبر زايدي لاب بمدينة طنجة، الضوء على المخاطر المثبتة علمياً، موضحاً الفوارق بين مضاعفات العدوى والآثار الجانبية النادرة للقاحات.
كشف الدكتور عادل زايدي، الطبيب البيولوجي ومدير مختبر التحاليل الطبية زايدي لاب بطنجة، عن معطيات علمية تتعلق بالمضاعفات الصحية طويلة الأمد للإصابة بفيروس كورونا، والآثار الجانبية المحتملة للقاحات المضادة لكوفيد-19، استناداً إلى دراسات طبية منشورة في مجلات علمية دولية، من بينها Nature Medicine وJAMA وThe Lancet وCirculation.
وأوضح زايدي، في مقال علمي أعده خلال أكتوبر 2026، أن الدراسات أثبتت إمكانية استمرار بعض الأعراض الصحية بعد التعافي من الفيروس، كما وثقت آثاراً جانبية نادرة لبعض اللقاحات، مشدداً على أن تقييم هذه المخاطر يجب أن يعتمد على الأرقام والمعطيات الطبية، بعيداً عن المعلومات غير الدقيقة المتداولة عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كوفيد الطويل.. أعراض قد تستمر لأشهر بعد الإصابة
وأشار الطبيب البيولوجي إلى أن منظمة الصحة العالمية تعرف حالة «ما بعد كوفيد-19» بظهور أعراض صحية عادة خلال الأشهر الثلاثة التي تلي الإصابة، واستمرارها لمدة شهرين على الأقل، دون وجود تشخيص آخر يفسرها.
واستحضر في هذا السياق دراسة عالمية منشورة في مجلة JAMA سنة 2022، قدرت أن نحو 6 في المائة من المصابين بكوفيد-19 المصحوب بأعراض عانوا أعراضاً طويلة الأمد بعد مرور ثلاثة أشهر.
وتشمل هذه الأعراض التعب الشديد، وضيق التنفس، واضطرابات التركيز والذاكرة، وتسارع ضربات القلب، وفقدان حاستي الشم والذوق أو تغيرهما، إضافة إلى آلام المفاصل والعضلات واضطرابات النوم.
وتشير الدراسات إلى أن خطر الإصابة بكوفيد الطويل يرتفع لدى بعض الفئات، خصوصاً الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة، ومن استدعت حالتهم الصحية دخول المستشفى، في حين يساهم التلقيح في تقليل احتمال ظهور هذه المضاعفات دون القضاء عليه نهائياً.
دراسات ترصد ارتفاع مخاطر أمراض القلب والسكري بعد كورونا
وفي ما يتعلق بالمضاعفات العضوية، أبرز الدكتور زايدي أن تأثير فيروس كورونا لا يقتصر على الجهاز التنفسي، بل قد يمتد إلى القلب والأوعية الدموية والكلى والجهاز العصبي.
واستند إلى دراسة أمريكية منشورة في مجلة Nature Medicine سنة 2022، شملت أكثر من 150 ألف مصاب، وكشفت عن ارتفاع خطر بعض أمراض القلب والشرايين خلال السنة التي تلي الإصابة، بما فيها اضطرابات نظم القلب والجلطات والتهاب عضلة القلب.
كما أشار إلى دراسة أخرى نشرتها مجلة The Lancet Diabetes & Endocrinology خلال السنة نفسها، رصدت ارتفاعاً نسبياً بنحو 40 في المائة في خطر الإصابة بالسكري خلال السنة التالية للعدوى، مقارنة بالمجموعة المرجعية التي اعتمدتها الدراسة.
وأكد أن هذه النسبة تعبر عن ارتفاع نسبي في مستوى الخطر، ولا تعني أن 40 في المائة من المتعافين سيصابون بمرض السكري.
وفي السياق ذاته، كشفت دراسة سويدية منشورة في المجلة الطبية البريطانية BMJ عن ارتفاع خطر الإصابة بالجلطات الدموية، خصوصاً الانصمام الرئوي، خلال الأسابيع والأشهر التي تلي الإصابة.
غير أن الطبيب البيولوجي شدد على أن غالبية المتعافين لا يصابون بهذه المضاعفات، وأن مستوى الخطر يختلف بحسب شدة العدوى والحالة الصحية لكل شخص.
لقاحات كورونا.. آثار جانبية نادرة أثبتتها الدراسات
وفي جانب آخر من مقاله العلمي، تناول الدكتور عادل زايدي الآثار الجانبية للقاحات كوفيد-19، موضحاً أن الأعراض الأكثر شيوعاً تتمثل في الألم بمكان الحقن، والتعب، والصداع، والقشعريرة والحمى الخفيفة، وهي أعراض تختفي غالباً خلال فترة قصيرة.
لكن الدراسات العلمية رصدت أيضاً مضاعفات نادرة، من بينها الحساسية المفرطة والتهاب عضلة القلب وبعض اضطرابات تخثر الدم.
وبحسب بيانات أمريكية منشورة سنة 2021، سُجلت 47 حالة حساسية مفرطة بين نحو عشرة ملايين جرعة من لقاح فايزر، أي ما يقارب خمس حالات لكل مليون جرعة.
أما بخصوص التهاب عضلة القلب، فقد استحضر زايدي دراسة بريطانية شملت أكثر من 42 مليون شخص، وأظهرت ارتفاعاً في الخطر لدى بعض الفئات، خصوصاً الرجال دون سن الأربعين بعد الجرعة الثانية من لقاح موديرنا، بمعدل قُدر بنحو 97 حالة إضافية لكل مليون شخص ضمن الفئة المدروسة.
وتطرق كذلك إلى متلازمة الجلطات المصحوبة بانخفاض الصفائح الدموية المرتبطة بلقاح أسترازينيكا، والتي قدرت بيانات صحية بريطانية حدوثها بنحو 15 حالة لكل مليون جرعة أولى، مع اختلاف مستوى الخطر بحسب العمر.
وأوضح أن رصد هذه المضاعفات ساهم في مراجعة عدد من الدول توصياتها المتعلقة باستعمال بعض اللقاحات، وفقاً للفئات العمرية والمخاطر الصحية المحتملة.
هل الإصابة بالفيروس أخطر من التلقيح؟
واعتبر الدكتور زايدي أن المقارنة العلمية بين العدوى واللقاحات تقتضي دراسة المخاطر المرتبطة بكل منهما، مع مراعاة العمر والجنس ونوع اللقاح.
وتشير الدراسات التي استعرضها إلى أن الإصابة بفيروس كورونا ارتبطت بمخاطر صحية متعددة، تشمل الجلطات واضطرابات القلب وبعض المضاعفات المزمنة، بينما ظلت معظم الآثار الجانبية الخطيرة للقاحات نادرة.
ومع ذلك، سجلت بعض الدراسات استثناءات لدى فئات محددة، من بينها الرجال الشباب الذين أظهرت البيانات ارتفاع خطر التهاب عضلة القلب لديهم بعد الجرعة الثانية من موديرنا مقارنة بالخطر المقدّر بعد العدوى ضمن ظروف الدراسة.
وتبرز هذه النتائج، وفق المقال، أهمية اليقظة الدوائية وتحديث التوصيات الطبية بناءً على الأدلة العلمية، بدلاً من اعتماد أحكام عامة بشأن مأمونية جميع اللقاحات.
تحاليل طبية للكشف عن المضاعفات المحتملة
وفي ما يتعلق بمتابعة الأشخاص الذين يعانون أعراضاً مستمرة بعد التعافي من كورونا، أوضح مدير مختبر زايدي لاب بطنجة أنه لا يوجد تحليل مخبري واحد قادر على تشخيص كوفيد الطويل.
غير أن بعض الفحوصات تساعد الأطباء على تقييم الحالة الصحية واستبعاد أسباب أخرى قد تفسر الأعراض.
وتشمل هذه الفحوصات تعداد الدم الكامل، وتحليل البروتين المتفاعل C المعروف بـCRP، وقياس نسبة السكر في الدم والهيموغلوبين السكري HbA1c، إضافة إلى تحاليل وظائف الكلى والغدة الدرقية ومخزون الحديد.
كما قد يلجأ الطبيب إلى فحوصات متخصصة، مثل D-dimères والتروبونين، عند الاشتباه في وجود جلطة دموية أو إصابة قلبية، دون أن تكون هذه التحاليل ضرورية لجميع المتعافين.
وحذر زايدي من تجاهل أعراض صحية خطيرة، من بينها ألم الصدر وضيق التنفس المفاجئ وتورم الساق والصداع الشديد غير المعتاد، مؤكداً ضرورة التوجه إلى المستعجلات عند ظهورها.
الدعوة إلى اعتماد المعلومة العلمية بدل الشائعات
وخلص الدكتور عادل زايدي إلى أن الدراسات الطبية تؤكد إمكانية استمرار بعض مضاعفات كوفيد-19 بعد التعافي، كما تثبت وجود آثار جانبية نادرة لبعض اللقاحات، وهو ما يستدعي التعامل مع هذه المعطيات بمنهج علمي يقوم على تقييم المخاطر والفوائد.
وشدد على أهمية المتابعة الطبية واليقظة الدوائية والاعتماد على الدراسات العلمية المحكمة، بدلاً من المعلومات غير الموثقة التي يجري تداولها عبر المنصات الرقمية.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية في تعزيز الوعي الصحي، خصوصاً أن الدراسات المرجعية التي استند إليها المقال تعود أساساً إلى سنتي 2021 و2022، ما يجعل مواصلة تتبع الأبحاث والتوصيات الطبية المحدثة أمراً ضرورياً لفهم تطور المخاطر المرتبطة بالفيروس ولقاحاته.
ويؤكد المقال في مجمله أن التعامل مع التداعيات الصحية لكوفيد-19 لا يتطلب إثارة المخاوف، وإنما يستدعي اليقظة الطبية، والانتباه إلى الأعراض المستمرة، واستشارة المختصين عند الضرورة.
المصدر: مقال علمي للدكتور عادل زايدي، طبيب بيولوجي ومدير مختبر زايدي لاب بطنجة، أكتوبر 2026، يستند إلى تسعة مراجع علمية وصحية دولية.


