ليست حرية التعبير رخصة للإساءة، وليست المنصات الرقمية فضاءً مباحًا للنيل من كرامة المواطنين أو الحط من قيمتهم الإنسانية والوطنية، فحين يخرج شخص إلى الرأي العام عبر مقاطع سمعية بصرية ليهاجم الجالية المغربية المقيمة بالخارج، ويصف أبناءها بأوصاف تنطوي على الاحتقار والتبخيس، ويقلل من وزنهم في الاقتصاد الوطني، فإن الأمر يتجاوز حدود الرأي المشروع، ليدخل في دائرة خطاب قد يمس بالكرامة الإنسانية ويثير الكراهية والتمييز والإقصاء.
وبصفتي محاميا فرنسيا مغربيا من جالية المهجر، لم أتلق هذه التصريحات باعتبارها مجرد آراء شخصية، وإنما باعتبارها خطابا موجها إلى ملايين المغاربة المقيمين بالخارج، وأنا واحد منهم، لقد شعرت، كما شعر كثيرون، بأن هذه التصريحات تمس كرامتنا، وتنتقص من انتمائنا الوطني، وتختزل عقودا من العطاء والتضحية في أوصاف لا تليق بالنقاش العمومي المسؤول، فالجالية المغربية بالخارج ليست مجرد أرقام في تقارير اقتصادية، بل هي امتداد طبيعي للوطن الأم، فمنها الأطباء والمهندسون والباحثون ورجال الأعمال والعمال والطلبة، وكلهم يساهمون بدرجات متفاوتة في دعم صورة وطننا الحبيب، وفي تعزيز اقتصاده من خلال التحويلات والاستثمارات ونقل الخبرات والعلاقات الدولية، وإذا كان من حق أي شخص أن يناقش السياسات العمومية أو أن ينتقد أداء المؤسسات أو حتى أن يبدي رأيا مخالفا في قضايا الهجرة، فإن ذلك لا يمنحه الحق في التعميم المسيء أو في تبني خطاب يحط من قيمة فئة كاملة من المواطنين بسبب مكان إقامتهم.
إن الدستور المغربي يقوم على مبادئ المساواة وصون الكرامة الإنسانية، كما يحرص على حماية حقوق المواطنات والمواطنين أينما وجدوا، كما أن وطننا الغالي المغرب ملتزم بعدد من الاتفاقيات الدولية التي تحظر كل أشكال التمييز والتحريض على الكراهية أو المساس بالكرامة الإنسانية، ومن هذا المنطلق، فإن أي خطاب يتضمن أوصافا مهينة أو تحقيرية موجهة إلى الجالية المغربية بالخارج يستوجب التقييم القانوني الدقيق لمعرفة مدى توافقه مع مقتضيات القانون الجنائي المغربي، وقانون الصحافة والنشر، والمبادئ الدستورية ذات الصلة، دون المساس بضمانات حرية التعبير التي تبقى حقا أساسيا، لكنها ليست حقا مطلقا، ولهذا السبب، أعتزم، رفقة عدد من الجمعيات الممثلة لمغاربة العالم خصوصا المؤسسة الوطنية لمغاربة العالم ممثلة بالسيد خليل نبلاوي بصفته كاتب عام مجلس الرئاسة، ومؤسسة التجمع الحر للمغاربة من أجل المواطنة والتضامن لممثلها السيد نصر الدين اكوتي، اللجوء إلى المساطر القانونية المختصة لطلب فحص هذه التصريحات من قبل الجهات القضائية المختصة، ليس بدافع الانتقام، وإنما دفاعا عن سيادة القانون، وعن حق الجالية المغربية بالخارج في الاحترام، وصونا لكرامتها من كل خطاب من شأنه أن يزرع الإهانة أو الإقصاء أو الاحتقار، فالقضاء وحده من يمثل الجهة المخول لها تحديد ما إذا كانت هذه التصريحات تشكل مخالفة للقانون أو تدخل ضمن حدود حرية التعبير المكفولة دستوريا، أما دورنا كمواطنين وحقوقيين، فهو استعمال الوسائل القانونية المتاحة، وإيماننا بأن دولة المؤسسات والقانون هي الإطار الحضاري لمعالجة مثل هذه القضايا.
ختاما، فإن الدفاع عن كرامة مغاربة العالم ليس دفاعا عن فئة معزولة، بل هو دفاع عن صورة المملكة المغربية، فالمغاربة المقيمون بالخارج جزء لا يتجزأ من الأمة المغربية، وكرامتهم من كرامة الوطن، وحقوقهم لا تقل عن حقوق أي مواطن داخل التراب الوطني، إن الاختلاف في الرأي حق، أما الاحتقار الجماعي والإساءة إلى ملايين المواطنين، فهما أمران يجب أن يخضعا لميزان القانون، بعيدا عن الشعبوية والانفعال، وفي احترام كامل لمبادئ العدالة وسيادة المؤسسات.
بقلم الدكتور عبد الجليل الصقلي دليل
محام مغربي بمدينة ليل بفرنسا



تعليقات
0