كشف الدكتور عادل زايدي، الطبيب البيولوجي ومدير مختبر «زايدي لاب» للتحاليل الطبية بمدينة طنجة، عن معطيات علمية تبرز انتشار نقص فيتامين D لدى فئات من المجتمع المغربي، رغم الموقع الجغرافي للمملكة وما تتمتع به من وفرة في أشعة الشمس، مشيراً إلى أن دراسات طبية أجريت بمدينتي الرباط ومكناس سجلت نسباً مرتفعة من هذا النقص لدى النساء المشاركات فيها، في وقت تطرح فيه الخصائص المناخية والجغرافية لمدينة طنجة تساؤلات إضافية بشأن تأثيرها على مستويات هذا الفيتامين لدى السكان.
وأوضح الدكتور زايدي، في مقال علمي توعوي تناول فيه أسباب نقص فيتامين D وانعكاساته الصحية، أن الاعتقاد السائد بكون العيش في بلد مشمس يوفر حماية تلقائية من نقص هذا الفيتامين لا تؤكده المعطيات العلمية، بالنظر إلى ارتباط إنتاجه داخل الجسم بعوامل متعددة، من بينها التعرض المباشر للأشعة فوق البنفسجية من نوع UVB، وطبيعة البشرة، والعادات الغذائية، والظروف الصحية ونمط الحياة اليومي.
واستعرض الطبيب البيولوجي نتائج دراسة علمية نشرت سنة 2012 في المجلة الطبية الدولية BMC Women’s Health، شملت 178 امرأة بعد سن اليأس بمدينة الرباط، وأظهرت أن 85.3 في المائة من المشاركات سجلن مستويات من فيتامين D تقل عن 30 نانوغراماً في المليلتر، فيما بلغت نسبة النساء اللواتي سجلن مستويات أقل من 20 نانوغراماً في المليلتر نحو 65.7 في المائة. وربط الباحثون هذه النتائج، على وجه الخصوص، بمحدودية التعرض لأشعة الشمس وطبيعة الملابس التي تغطي مساحات واسعة من الجسم.
وفي السياق ذاته، أشار الدكتور زايدي إلى دراسة وبائية أخرى نشرت سنة 2016، وشملت 1320 امرأة بجهة مكناس خلال الفترة الممتدة بين 2013 و2015، حيث سجل الباحثون نسبة نقص بلغت 85.4 في المائة، مع ارتفاع واضح في الحالات خلال فصل الشتاء، وهو ما يعزز أهمية العوامل الموسمية والبيئية في تفسير الاختلافات المسجلة في مستويات هذا الفيتامين.
وتكتسي هذه النتائج أهمية علمية بالنظر إلى الدور الأساسي الذي يؤديه فيتامين D في تنظيم امتصاص الكالسيوم والمحافظة على صحة العظام والعضلات، إذ قد يؤدي نقصه الشديد إلى اضطرابات في تمعدن العظام، من بينها الكساح لدى الأطفال ولين العظام لدى البالغين، فضلاً عن ارتباطه بارتفاع مخاطر بعض المضاعفات العظمية، خاصة لدى الأشخاص المتقدمين في السن.
وفي تحليله للعوامل المفسرة لهذه الظاهرة، أبرز الدكتور زايدي أن التحولات التي شهدتها أنماط العيش والعمل ساهمت في تقليص فرص التعرض المباشر لأشعة الشمس، نتيجة قضاء فترات طويلة داخل المنازل والمكاتب والمصانع ووسائل النقل. كما أوضح أن الزجاج يحجب جانباً مهماً من الأشعة فوق البنفسجية المسؤولة عن تحفيز تصنيع فيتامين D داخل الجلد، ما يجعل التعرض للضوء من خلف النوافذ مختلفاً عن التعرض المباشر لأشعة الشمس.
وأضاف أن إنتاج هذا الفيتامين يتأثر كذلك بلون البشرة ومساحة الجلد المعرضة للأشعة، إلى جانب محدودية مصادره الغذائية الطبيعية، التي تشمل أساساً الأسماك الدهنية وصفار البيض. كما أشار إلى ارتباط بعض حالات النقص بعوامل صحية، من بينها السمنة والتقدم في السن والحمل والرضاعة وبعض الأمراض التي تؤثر في الجهاز الهضمي والكبد والكلى.
وعلى المستوى المحلي، خصص الدكتور زايدي جانباً من تحليله لمدينة طنجة، معتبراً أن موقعها عند خط عرض يقارب 35.8 درجة شمالاً يجعل إنتاج فيتامين D بواسطة الجلد أكثر تأثراً بالتغيرات الموسمية، خاصة خلال الفترة الممتدة تقريباً من نونبر إلى فبراير، عندما تنخفض زاوية أشعة الشمس وتتراجع فعالية الأشعة فوق البنفسجية من نوع UVB.
كما أشار إلى أن الخصائص المناخية للمدينة، بما فيها التساقطات المطرية والغيوم والرياح القوية خلال فصل الشتاء، قد تحد من الأنشطة الخارجية وتدفع السكان إلى قضاء وقت أطول داخل الفضاءات المغلقة. وتضاف إلى ذلك طبيعة طنجة باعتبارها قطباً صناعياً واقتصادياً، حيث يشتغل عدد كبير من السكان داخل الوحدات الصناعية والمكاتب لساعات طويلة، ما قد يقلص فرص تعرضهم المباشر لأشعة الشمس.
غير أن الطبيب البيولوجي شدد على عدم توفر دراسة علمية منشورة خاصة بمدينة طنجة، وفق المعطيات التي استند إليها، وهو ما يجعل هذه العوامل مؤشرات تستحق البحث الوبائي، دون أن تشكل دليلاً إحصائياً على أن نسبة نقص فيتامين D بالمدينة تفوق نظيرتها في باقي المدن المغربية.
وفي ما يتعلق بالتشخيص، أوضح الدكتور زايدي أن نقص فيتامين D قد لا تصاحبه أعراض واضحة، بينما يمكن أن يظهر لدى بعض الأشخاص في صورة تعب مستمر أو آلام في العظام وأسفل الظهر أو ضعف وتشنجات عضلية، مؤكداً أن هذه الأعراض غير نوعية، ولا تكفي وحدها لإثبات وجود نقص.
وأشار إلى أن قياس مستوى الفيتامين يتم بواسطة تحليل دم يعرف باسم «25-هيدروكسي فيتامين D»، لا يتطلب الصيام، مستعرضاً الحدود التي اعتمدتها بعض التوصيات الطبية لتصنيف المستويات الأقل من 20 نانوغراماً في المليلتر ضمن النقص، والمستويات المتراوحة بين 20 و30 ضمن عدم الكفاية، مع الإشارة إلى أن المعايير الطبية المعتمدة في تفسير النتائج قد تختلف بحسب المرجع العلمي والحالة الصحية.
ودعا الدكتور زايدي إلى تعزيز الوقاية من خلال التغذية المتوازنة والتعرض المعتدل لأشعة الشمس دون التسبب في حروق جلدية، مع إيلاء اهتمام خاص للفئات الأكثر عرضة للنقص، ومن بينها كبار السن والحوامل والأشخاص المصابون بأمراض مزمنة، وفق التقييم الطبي لكل حالة.
وحذر في المقابل من الاستعمال العشوائي للمكملات الغذائية المحتوية على فيتامين D، خصوصاً بجرعات مرتفعة، بالنظر إلى المضاعفات الصحية التي قد تنتج عن الإفراط في تناولها دون إشراف طبي.
وتعيد هذه المعطيات العلمية طرح إشكالية نقص فيتامين D باعتبارها موضوعاً يستحق مزيداً من البحث والتوعية الصحية بالمغرب، خاصة في ظل التباين بين وفرة أشعة الشمس وارتفاع نسب النقص المسجلة لدى بعض الفئات المدروسة. كما تبرز الحاجة إلى إنجاز دراسات وبائية محلية بمدينة طنجة وجهة طنجة تطوان الحسيمة، من أجل تحديد مدى انتشار هذه الظاهرة والعوامل المرتبطة بها، وتوفير معطيات علمية تساعد على توجيه جهود الوقاية والتشخيص بصورة أكثر دقة.


