في الوقت الذي تصنع فيه منصات التواصل الاجتماعي قادة رأي جُدد في شتى المجالات، تثير بعض “التقاليع” الغذائية المنتشرة مؤخراً قلقاً واسعاً في الأوساط الطبية. وتصدر واجهة هذا الجدل ما يُعرف بـ”نظام الطيبات”، وهو برنامج غذائي حظي بمتابعة واسعة بعدما قدمه مروجوه كبديلاً واعداً للعلاجات الطبية التقليدية ومفتاحاً لـ”التشافي الذاتي”، وهو ما يراه متخصصون مجرد “ترند” عابر يخفي وراءه مخاطر صحية قد تصل إلى تهديد الحياة.
لا يتوقف الخلاف حول هذا النظام عند حدود اختيار نوعية الطعام، بل يتعداه إلى تقديم ادعاءات علاجية وصفتها أخصائية التغذية وأستاذة التعليم العالي، أسماء زريول، بـ”المخاطر التي تهدد الصحة العامة”. وفي قراءة علمية للموضوع، حذرت زريول من الانسياق وراء دعوات هذا النظام التي تطالب مرضى السكري بوقف حقن الأنسولين، أو تلك التي توهم المصابين بالفشل الكلوي بإمكانية الاستغناء عن جلسات التصفية الحيوية، مؤكدة أن هذه التوجيهات تفتقر إلى أي أساس علمي وتضع حياة المرضى على المحك.
واستغربت الأخصائية في الوقت ذاته التناقض الصارخ لهذا النمط؛ إذ في حين يحظر تناول البقوليات الغنية بالعناصر الأساسية، يجده يشجع على استهلاك مواد غير صحية كالعصائر ومستحضرات “شوكولاتة الدهن”، داعية إلى العودة للنظم المتوازنة التي تُفصّل بناءً على الملف الطبي الفردي لكل مريض وليس وفق “وصفات جاهزة” تُعمم على الجميع.
من زاوية طب الأطفال وعلوم التغذية، ترى الدكتورة أمينة بركة أن هذا البرنامج يقود متبعيه مباشرة إلى مربع “سوء التغذية”. وأوضحت بركة أن الإقصاء الصارم لمجموعات غذائية كاملة – كالحليب ومشتقاته، والبقوليات، وتشكيلة واسعة من الخضار والفواكه – يتسبب في نضوب مخزون الجسم من الكالسيوم، الحديد، والألياف، فضلاً عن فيتاميني “د” و”ب12″. هذا الحرمان الشديد ينعكس عضويّاً على شكل هشاشة عظام، فقر دم، وضرر مباشر لمرضى الكلى والقلب بسبب الإفراط في نوع واحد من البروتينات والدهون.
ولم تغفل الدكتورة بركة الأثر النفسي والسلوكي لهذه الحمية القاسية، مشيرة إلى أنها تحوّل الطعام من مصدر طاقة ومتعة إلى مصدر قلق دائم، مما يمهد للإصابة بـ”الوسواس الغذائي” والاكتئاب. كما وصفت خسارة الوزن المصاحبة لهذا النظام بالـ”وهمية”، مفسرة ذلك بأن غياب 80% من الأطباق المعتادة يجبر الجسم على فقدان كتلته العضلية ومائه لا دهونه، وهو ما يؤدي حتماً إلى “تأثير اليويو” (العودة السريعة لكسب الوزن) بمجرد التوقف عن الحمية.
تجمع الشهادات الطبية على أن القواسم المشتركة للصحة المستدامة لا تصنعها المنصات الرقمية أو التجارب الشخصية المعزولة التي تفتقد لغطاء منظمة الصحة العالمية والجمعيات الطبية الرسمية. وتظل القاعدة الذهبية لحياة صحية تتلخص في “التنوع والاعتدال”، مع ضرورة إخضاع أي تحول غذائي للإشراف الطبي المباشر، بعيداً عن بريق “الترندات” التي تسوق الوهم على حساب سلامة الأجساد.


