لم تكن مباراة الأحد مجرد 90 دقيقة من كرة القدم، بل كانت موعداً مع التاريخ، وفصلاً ختامياً لـ “رواية” طويلة عاشها عشاق المغرب الفاسي على امتداد أربعة عقود. بانتصارهم على أولمبيك الدشيرة، لم يكتفِ “النمور” بانتزاع ثلاث نقاط، بل استعادوا هيبة مدينة بأكملها، وأنهوا حقبة من الانتظار الطويل الذي حول لقب البطولة إلى “حلم مؤجل” لأجيال متعاقبة.
بين سنة 1985 وهذا الموسم، تغيرت كرة القدم وتغيرت معها “الماص”. لكن ما ظل ثابتاً هو ذلك الرابط الوجداني بين النادي والمدينة. في قلب فاس، لم يكن التتويج مجرد إنجاز تقني، بل كان بمثابة “تطهير” رياضي؛ فبينما كان الجيل الذي شهد أمجاد الثمانينيات يذرف دموع الحنين، كان جيل الشباب يكتشف لأول مرة معنى أن تكون بطلاً للمغرب. هذا التمازج بين “ذاكرة الذهب” و”طموح الجيل الجديد” هو الذي منح الليلة طابعها الملحمي، وجعل من شوارع العاصمة العلمية ساحة مفتوحة لاستعادة “هوية الانتصار.
بعيداً عن صخب الاحتفالات، يفرض هذا اللقب قراءة هادئة لمسار الفريق. فالمغرب الفاسي لم يكن بطلاً صدفة، بل بفضل موسم اتسم بـ “الواقعية”. ففي الوقت الذي تتعثر فيه طموحات الكبار تحت ضغط التوقعات، نجحت كتيبة “الماص” في صياغة معادلة التوازن؛ دفاع صلب، ووسط ملعب ضبط الإيقاع، ونجاعة هجومية تجسدت في اللحظات الحاسمة، مثلما رأيناه في أهداف أنس الطاهيري وأيمن الشباني. لقد كان هذا الفريق يمتلك “نَفَسَ البطل” الذي لا يرتجف أمام صافرة البداية، ولا ينكسر أمام ضغط المدرجات.
تتجاوز أهمية هذا التتويج خزائن النادي، لتؤكد أن الكرة المغربية بحاجة ماسة لعودة “قطبها الفاسي” إلى منصات التتويج. إنها رسالة قوية بأن الأندية ذات القاعدة الجماهيرية العريضة والتاريخ العريق لا تموت، بل تمر بمراحل “سبات” قبل أن تستعيد وهجها. وعودة “النمور” لعرش البطولة هي إضافة نوعية للمشهد الرياضي الوطني، تعزز التنافسيةوالعودة إلى الواجهة.
انتهت رحلة الشغف المؤجل وأسدل الستار على أربعة عقود من الصبر، ليتنفس وجدان فاس الصعداء فوق منصة التتويج. هذا الإنجاز جاء بمثابة مكافأة عادلة لأجيال من الأنصار الذين صبغوا شوارع المدينة العتيقة بالأصفر والأسود، معلنين بوضوح أن النمور لا يموتون، بل يعودون دائماً لترسيخ مكانتهم في طليعة كرة القدم المغربية.



تعليقات
0