AML Ferry
صدى طنجة|مجتمع

مشروع قانون المحاماة بين منطق الإصلاح وهاجس التطويق

WhatsApp Image 2026-06-23 at 22.32.30
في لحظة تشريعية مثقلة بالتوتر المهني والحقوقي، صادق مجلس المستشارين على تعديلات جديدة همت مشروع القانون رقم 66.23 المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، في سياق وطني يطبعه احتجاج واسع داخل جسم المحاماة، وقلق متزايد من المساس بجوهر مهنة ارتبطت تاريخياً بالدفاع عن الحقوق والحريات وضمانات المحاكمة العادلة.
غير أن النقاش الدائر اليوم لا ينبغي اختزاله في خلاف مهني ضيق بين المحامين والسلطة الحكومية المكلفة بالقطاع، ولا في مجرد اعتراض فئوي على نص تشريعي جديد، بل هو في عمقه نقاش حول موقع الدفاع داخل منظومة العدالة، وحول الحدود الفاصلة بين إصلاح المهنة وتنظيمها من جهة، وبين تطويقها وإضعاف استقلالها من جهة أخرى.
إن المحاماة ليست قطاعاً إدارياً عادياً حتى يُعاد تشكيله بمنطق الضبط التقني البارد، وليست مهنة خدماتية صرفة حتى تُقرأ فقط من زاوية التنظيم المهني، وإنما هي رسالة دستورية وحقوقية، تمثل أحد الأعمدة الأساسية لدولة الحق والقانون. فكلما كان الدفاع حراً ومستقلاً، كانت العدالة أكثر توازناً، وكلما ضاق هامش المحامي، ضاق معه هامش المواطن في الولوج إلى قضاء منصف.
ولهذا، فإن الإشكال الحقيقي في مشروع قانون المحاماة لا يكمن فقط في مواده التفصيلية، بل في فلسفته العامة: هل نحن أمام نص يريد تحديث المهنة وتقوية ضماناتها؟ أم أمام مقاربة تشريعية تنزع إلى إحاطة المحاماة بسياج من القيود، بما قد يحول الاستقلال من مبدأ مؤسس إلى مجرد عبارة جميلة داخل النصوص؟
لقد كان من المفترض أن يشكل هذا المشروع مناسبة تاريخية لإعادة بناء الثقة بين الدولة ومؤسسة الدفاع، عبر قانون متوازن يحمي المواطن، ويرتقي بالمهنة، ويحصن أخلاقياتها، ويدعم تكوين المحامي، ويصون استقلال المؤسسات المهنية. لكن المسار الذي رافق مناقشته أنتج، في المقابل، شعوراً عميقاً لدى شريحة واسعة من المحامين بأن صوتهم لم يُنصت إليه بالقدر اللازم، وأن الهواجس المهنية والحقوقية التي عبّروا عنها لم تجد ترجمتها الكافية داخل الصياغة التشريعية.
لا أحد داخل المحاماة يعترض على الإصلاح الجاد. ولا أحد يرفض التخليق، أو التكوين، أو تحديث آليات الولوج، أو ضبط العلاقة بين المحامي وموكله، أو حماية المتقاضي من كل ممارسة غير سليمة. لكن الإصلاح شيء، والوصاية شيء آخر. والتنظيم شيء، والتقييد شيء آخر. وتحديث المهنة لا يمكن أن يتم عبر تقليص هوامش استقلالها أو التعامل معها كجسم ينبغي ضبطه أكثر مما ينبغي تقويته.
إن أخطر ما يمكن أن يقع في أي ورش تشريعي يهم المحاماة هو أن يتم التعامل مع المحامي بوصفه موضوعاً للرقابة لا شريكاً في العدالة، وبوصفه طرفاً ينبغي الحد من حركته لا فاعلاً أساسياً في حماية الشرعية والحقوق. فالمحامي ليس خصماً للدولة، ولا عائقاً أمام القضاء، ولا صوتاً مزعجاً داخل المحكمة، بل هو جزء من التوازن القضائي، ومن ضمانات المحاكمة العادلة، ومن الأمن الحقوقي للمجتمع.
والأغلبية العددية، مهما كانت مشروعيتها الدستورية، لا تكفي وحدها لصناعة قانون مقنع ومتصالح مع روحه المهنية. فالنصوص الكبرى لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي صادقت عليها، بل بمدى قدرتها على إنتاج الثقة، وطمأنة الفاعلين، وضمان التوازن بين سلطة التنظيم وحرية الممارسة.
إن تمرير مشروع قانون المحاماة وسط هذا الاحتقان المهني يطرح سؤالاً أعمق من سؤال المسطرة التشريعية: هل يمكن إصلاح مهنة الدفاع دون إنصات حقيقي للدفاع؟ وهل يمكن بناء قانون للمحاماة دون جعل استقلال المحامي جوهره الأول لا هامشه الأخير؟
إن المحاماة حين تحتج، لا تدافع فقط عن مصالح منتسبيها، بل تدافع أيضاً عن حق المواطن في أن يجد أمامه محامياً قوياً، مستقلاً، آمناً في كلمته، حراً في مرافعاته، قادراً على مواجهة الشطط، ومؤهلاً لحماية الحقوق دون خوف أو تردد.
ففي النهاية، ليست القضية قضية محامين وحدهم. إنها قضية عدالة. وقضية مواطن. وقضية دولة اختارت أن تبني مشروعها الحقوقي على التوازن بين المؤسسات، وعلى احترام الدفاع، وعلى جعل المحاكمة العادلة معياراً حقيقياً لا شعاراً موسمياً.
إننا أمام لحظة مفصلية: إما أن يتحول قانون المحاماة إلى رافعة لتقوية المهنة وتحصين استقلالها، وإما أن يتحول إلى محطة مؤلمة في تاريخ الدفاع بالمغرب. وبين الخيارين، تبقى الحقيقة الثابتة أن العدالة لا تستقيم بدفاع ضعيف، وأن دولة الحق لا تكتمل بمحاماة مطوقة، وأن المحامي الحر ليس ترفاً مهنياً، بل ضرورة دستورية وحقوقية.
ستبقى المحاماة حرة أو لا تكون.
وسيظل الدفاع مستقلاً، لأن العدالة بلا دفاع حر ليست عدالة، بل مجرد إجراء بلا روح.

مواضيع ذات صلة

سويسرا تسجل قفزة قياسية في تحديد هويات المغاربة المهددين بالترحيل

في غياب الجثمان.. جنازة رمزية لعبد الرحيم فقير بالمغرب والتحقيق الإيطالي يبحث عن الحقيقة

بعد إدانتهم بسبب أحداث سبتة.. الإفراج عن سائقي الأجرة ومتابعتهم في حالة سراح

المغرب يدخل مرحلة الأسر المصغرة.. تراجع الزواج والخصوبة وتمدد العزوبة مع تسارع شيخوخة السكان

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

تعليقات

0